• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    نساء القصور على مرّ العصور (الحلقة الأولي)

    تمهيد : ارتبط لقب المرأة الحديدية بشخصيات من العالم الغربي وأشهرهن مارجريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا السابقة والملكة فيكتوريا ملكة بريطانيا العظمى وغيرهن ويعني مصطلح المرأة الحديدية المرأة ذات الإرادة والسطوة والنفوذ والقادرة علي إدارة دفة الحكم بشكل مباشر ولقد غفل المؤرخون عن استحضار هذا المصطلح من شخصيات التاريخ العربي أي على الأرض العربية الحافل بها عبر العصور المختلفة والتي أثبتت قدرة المرأة على تحمل أعباء الحكم وإدارة البلدان بشكل ناجح إلا أن هذا الأثر الناجح لحكم المرأة لم يكن على الدوام ناجحا خاصة في العهود التي فرضت على المرأة أن تحتجب خلف أستار القصور فصارت تحكم من خلف الزوج أو الابن مما انعكس سلباً على شخصية الحاكم أمام شعبه والتي بدت مضطربة في أحيانا كثيرة مما كان له أشد الأثر في زوال حكم دويلات بأكملها … وبين الأثرين سنمضي في سلسلتنا مستعرضين كلا من النموذجين ومحاولين أن نرسم صورة كاملة للشخصيات والمؤثرات من داخلها وحولها .. ونبدأ حلقاتنا بملكة ملأت الدنيا وشغلت الناس بقوتها وعظمة عرشها وحنكتها وقدرتها على تسسير زمام الحكم في بلد كبير مثل مصر إنها الملكة حتشبسوت بوجهها المستدير الخمري كقرصِ الشّمس في لحظاتِ الغروبِ وشعرها الناعم ،كانت تتنقلُ بينَ الزهورِ الّتى أحبتها. لقد اختارها القدرُ حفيدة الفرعون أحمس الأوّل هازم الهكسوس ومؤسس الأسرة الفرعونيّة الثامنة عشرة. هي الابنةُ الكبرى والأقرب إلى قلب والدها تحوتمس الأول ولا وريث شرعي من الذكورِ إلا أخيها غير الشقيق من أبيها تحوتمس الثاني ابن الزوجة الثانوية موت نفرت. كان تحوتمس الثاني ضعيفَ البنية يبدو عليه المرض والضعف منذ الصغرِ. مما يجدرُ الإشارة إليه تعليمها برفقةِ بعضِ أبناء البلاط الفرعونيّ من النبلاء، وكان للمعلم مكانةً عالية وهي أساليبه العنيفة يستخدمها دونَ تحيز أو تمييز في ذاك الزمان وقد اقتصر التعليم على النبلاء . تعلمت هذه الطفلة أصول الكتابة والقراءة والفلسفة واللغة والإنشاءِ وكانت المدرسة تبدأ منذ الصباح حتى الظهيرة برفقة أقرانها وتشجيع والدها الفرعون بل مشاركته في الحكم تكبر هذه الصبية الجميلة بشخصيتها القيادية القوية ،في العشرين من العمر تفقدُ سندها والدها الفرعون في مملكةٍ يسيطرُ عليها الكهنة من من رجالِ الدين. فالآلهة رجل ولن ترثَ امرأة الحكم في زمن الآلهة آمون. ولكن غنمت آمون حتشبسوت امتلكت من الحنكة والفطنة الكثير لجذبِ أصدقاء مخلصين ساندوها في وجه كهنة المعبد وكان زواجها من تحوتمس الثاني الأخ غير الشقيق بداية للسيطرة على مقاليد الحكم والسلطة فهو ضعيف ولا خبرة له في الحكم وأنجبت منه ولدا ذكرا وابنتين. ولدها يبدو أنه مات لم يذكرْ في الرقم أما ابنتاها نفردرع ومريت رع حتشبسوت فقد ظهرتا على مسرح الأحداث. وهنا يحاول الكهنة إقصاء خليلة آمون درة الأميرات بعد وفاة زوجها تحوتمس الثاني وأن يظهر على العرش ولده من زوجته إيزة وكانت من محظيات البلاط الفرعوني وقد افتعلوا الحيلَ والدسائس في معبد آمون ولكن ابنة الشمس حتشبسوت استطاعت أن تنتصر ببطانتها من الحكماء وأعلنت ملكا لأول مرة امرأة على عرشِ الفرعون ويبدو على مرّ الزمن المرأة تعاني من سطوةِ الرجل الإله ومحاولة حجبها. الكل يترقبُ ركن العرش العظيم هل ستنتصر أم هو انهيار محتّم ولكن الأساطيل التجارية والسفن التي شقت غمار البحار والبعثات التجارية انعكست رخاءً على شعبِ مصر العظيم وانتشرَ الأمن والأمان والسلام وفن العمارة وهي صاحبة الذوق الرفيع حيث بنى مهندس البلاط سنموت أجمل معبد جنائزي في التاريخ البشري وزينت جدرانه بأجمل الألوان واللوحات التي تخلد أعمال هذه المرأة الحديدية التي دخلت التاريخ بعظمة إنجازاتها وقد بناه في حضن الجبل حجارته بيضاء ملكية.
    لقد أتخذت حتشبسوت لنفسها فلسفة مختلفة في الحكم بعيدة عن المؤثرات التي سادت حكم الأسرة الثامنة عشرة من الحروب والتوسع فأهتمت بالعمارة والنهوض بالاقتصاد بشكل كبير ففي العام التاسع من حكم “حتشبسوت” شهد بعثة تجارية ضخمة إلى بلاد “بونت” والتي كانت تقع على الشاطىء الغربى الجنوبى من البحر الأحمر وجنوب مصر (ربما كان جنوب السودان أو أريتريا حاليا). وقد سجلتها الملكة علي جدران معبدها البحري وكانت مكونة من عدة سفن شراعية عبرت البحر الأحمر .
    ويصور النقش باريحو حاكم بونت وهو يمسك بعصا، وأمامه المصريون بقيادة “بانحسي”؛ يقدمون الجواهر ومنها خنجر ذهبي رائع متقن الصنع. وتقف خلف باريحو زوجته التي تدعى “آتي”؛ والتي كانت أول مريضة بداء الفيل- (داء ينتقل إلى الانسان من الطفيليات الفيلارية عن طريق البعوض. مسببا ضرراً غير ظاهر في الجهاز اللمفي) -في التاريخ علي النحو الذي صوره الفنان المصري ببراعة لأعراض هذا الداء .
    كانت رحلة هذه الملكة إلى بلاد بونت دافعا لبعض المؤرخين إلى تصور أن حتشبسوت ربما كانت بلقيس الملكة التي ذكرها القرآن والتورآة وهو ماذهب إليه ايمانويل فلايكوفسكي في كتابه (عصور في فوضى) من أن الملكة حتشبسوت هي ملكة سبأ وأن رحلتها كانت لزيارة سليمان !!! وهو الأمر المخالف لحقائق التاريخ والأديان بشكل واضح وجلي…
    يقودنا النشاطُ الملحوظ للملكة حتشبسوت في ميادين الدهاءِ السياسيّ والتجاريّ والاقتصاديّ إلى تساؤل حول الفروق بين عقلِ المرأة وعقل الرجل، فبحسب الدراسات العلمية المرأة قادرة على إدارة أفكار شتى وربطها في آنٍ واحد فيما يشبه الدارة الكهربائية فيما ينغمسُ عقل الرجل في فكرة واحدة فبحسب المؤلف الأميركي الشهير مارك جانجور صاحب كتاب “Laugh your way through Marriage” أنّ عقل الرجال يحتوي على صناديق، وكلّ صندوق يحتوي على موضوع واحد فقط، وعندما يركّز الرجال في موضوع ما، فإنهم يفتحون صندوقاً واحداً وحسب ويركّزون على هذا الموضوع فقط، ولا يستطيعون الانشغال بموضوع آخر في نفس الوقت. أمّا النساء فإنّ عقلهن لا يحتوي على صناديق وإنما هو هذه الدارة الكهربائية التي تتصل فيها كلّ الأسلاك ببعضها البعض، مما يعني أن عقولهن لا تكفّ عن الحركة وعن ربط المواضيع ببعضها البعض دون تعب أو ملل .
    والغريب في الأمر ظهور الملكة الفرعون بزي الرجال لإيمانها بأن الإله حورس الحاكم على الأرض يلبس لباس الرجال. ومن ينظر للمومياء حتشبسوت يجد أنها تمتلك ستة أصابع في كل يد وهذا التشوه يفسر ارتداءها القفازات المطرزة بالأحجار الكريمة والغريب أن جميع تماثيلها تظهر بيد طبيعية لا تشوه بها. المرأة غالبا ما تحمل الحقد والانتقام ممن يحاول إيذاءها ولكن حتشبسوت كانت تحملُ من القوة والثقة الكثير حيث تبنت تحوتمس الثالث ابن زوجها ودربته على فنون القتال والحكم لتصنع منه أعظم فرعون محارب في ذاك الزمان ثم تزوجه ابنتها وهذا ما ينفي قتله لها لماذا يقتل من ربته وأوصلته بجبروته وصولتهِ لعرشِ الفرعون وأرسلته قائدا محاربا لتوسيع مملكتها كما أنّ العلماء قد نجحوا في تحليل بقايا جثمان حتشبسوت والتي اثبت وفاتها بالسرطان أو مرض السكري بعمر الخامسة والخمسين مما يجعل هذا النفي المنطقي يقينا …. ونظرا لأن حكم حتشبسوت كان حياديا بعيدا عن العرف التقليدي من ضرورة قصر الحكم على الرجال فكأنّما شعر قلبها بما سوف يقوله التاريخ عنها فنقشت على مسلة لها بالكرنك: “الآن يتطلع قلبي إلى هنا وهناك، وأنا أفكر بما سيقوله الناس، أفكر بهؤلاء الذين سينظرون إلى آثاري بعد سنين، وسيتحدثون عما أنجزته “.ومن ينظر لتلك المسلة التي نقلت عبر السفن من أسوان إلى الأقصر بوزن ألف طن من الغرانيت الأسود يقفُ صاغرا مندهشا أمام عظمة هذا الشعب الذي قيل أنه يقطع الصخر كما يقطع الزبدة في زمننا هذا. وهي الفرعون حتشبسوت خليلة آمون ترقد بسلام باسمة الشفاه هانئة البال مومياءً تعجزُ عن فهم طريقة تحنيطها المذهلة أكثر الروبوتات والعقول تطوراً في العالمِ الحديث .

    أستاذة راغدة شفيق محمود كاتبة و باحثة سورية
    د.محمد فتحي عبد العال كاتب وباحث مصري

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.