• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    رمضان والعبور والحلم .!

    مظاهرة الخبز والعمل ..
    تلك قصته التي كرَّرها مئات المرات .. خصوصاً في رمضان ..
    لأن أحداثها وقعت فيه ..
    قبل مماته بيومين, رواها للمرة الأخيرة ..
    منعونا من الوصول الى حقولنا في الروحة , ومنعوا عنّا تصاريح العمل , ولم يعطوها إلا لبعض أعوانهم.
    فَجُعنا ..!
    صلينا التراويح ..
    واجتمعنا في دار محمد العبد .. وقرّرنا الهجوم على مركز عسكر الحكم العسكري ..
    ما إحنا هيك ميتين .. ! وهيك ميتين .! هكذا لخًّص الإجتماع .. حسين المحمود ..
    واتفقنا ان نهاجم المركز ,من كل الطرق ,التي تؤدي إليه من القرية .. فإذا أغلقوا منفذاً .. نفذنا عليهم من منافذ أخرى..
    ومن طلعة الشمس , تجمعنا في ساحة العين , وانطلقنا نحوه رجالاً ونساء وأطفال ..!
    سرنا باتجاهه , ونحن نهتف :” الخبز والعمل ..!” .
    كنا نصرخ ومن بطون جوعانة , وحناجر عطشانة ..!
    وكلما تقدمنا انضم إلينا, أعداد أخرى من المتظاهرين ..حتى أمتلأت كل الطرق ..
    ولما وصلنا , إكتظَّت بنا جميع ساحات المركز..
    زعقنا بحنجرة واحدة : ” الخبز والعمل ..! الخبز والعمل..!”.
    فأغلق حاكم القرية العسكري عليه , وعلى مساعديه الأبواب.
    وانتشر جنوده على أسطح المركز , مصَّوبين نحونا بنادقهم..
    وقف مختار البلد, على شرفة المركز , المطلة على الجماهير..
    ونادى وسط الضجيج :
    ” يا ناس ..! يا أهل البلد ..! لا تقتربوا من أبواب المركز .. فإن في ذلك خطر على حياتكم .. سيطلق عليكم الجنود النار..!”.. وقد أعذر من أنذر ..!
    وانتظِروا تعليمات أخرى .. !”.
    وغاب في داخل المركز ..وأخذنا على عاتقنا , أنا وعدد من الشبان , مهمة عدم تمكين المتظاهرين , من الوصول الى الأبواب , حماية لهم من رصاص الجنود ..
    وبعد ساعتين , خرج المختار الى الشرفة , وعندما شاهدوه سيطر صمت ملغوم على المكان .. وصاح :
    ” سعادة الحاكم المحترم قرَّر, ان كل من يحضر الى هنا غداَ ,سيحصل على تصريح ..!
    وابتداء من الغد , سيُسمح لكم بالوصول الى حقولكم في الروحة , لمدة ثلاث ساعات, يومين في الأسبوع”.
    فرجعنا الى بيوتنا فرحين مستبشرين ..
    وفي اليوم التالي, ركبت رجليَّ , واتجهت الى المركز , آملاً في الحصول على التصريح ..
    عندما وصلت , سلمت هويتي للجندي, الواقف على الباب , وجلست على صخرة ,على طرف الساحة, أنتظر النتيجة تحت أشعة الشمس المحرقة ..
    بعد عدة ساعات من الانتظار , نادى الجندي الواقف على الباب :
    ” مين سالم المرة ..! سالم المرة ..!” .
    فنادى عليَّ القريبين منه ..
    فتقدمت منه , فعرفت أنه يحمل هويتي بيده , كنت أعرفها من الغلاف الأحمر , الذي جلّلتها به, زيادة في التحريص !
    وعندما اقتربت منه صرخ بي :
    “إضرب” سلام لعلم دولتك ..!
    نظرت الى العلم ,الذي كان منصوباً فوقي ,على السطح , فغامت عيناي , وأحسست ان حوّاماً من الثورة, يتفجَّر في داخلي .. فصحت به متحدياً :
    لن أفعل ذلك ..!
    إذن ..
    إلعَنْ عبد الناصر .!
    ولن أفعل هذا ..! أجبته بلهجة أعلى من التحدّي ..
    فأمر فأوتي له بكأس من الماء, فتناوله منهم , وصرخ بي , وهو يقرِّه من فمي :
    إشرب .!
    فأبعدت الكأس عن فمي , وقلت وأن أكظم غيظي , وأحبس شرار غلياني:
    أنا صائم.!
    فضربني بالكأس , فسال ماؤها على رأسي , مختلطاً بدم الجرح الذي أحدثه الكأس فيه.
    فتقدَّم منّي مجموعة من الجنود , ولم تُجدِ محاولاتي لمقاومتهم , فكلبشوني , ورموني في الغرفة المخصصة للمسجونين..
    فمكثت فيها شهر رمضان , حتى أطلقوا سراحي , “بواسطة ” المختار ,الذي وعدهم عنٍّي “خيراً !”
    ومظاهرته الثانية ..كانت يوم موت جمال عبدالناصر ..
    خرج مع الناس يهتف ويبكي ..أصرَّ أن تخرج له جنازة في مقدمتها نعش وتابوت , وكان له ما أراد ..حمل صوره وطاف في طرقات البلد ..
    وبعد ان فاق من غياهب حزنه .. حضر الى بيتنا ليقول لي : ” بعد الجيم سيحكم الميم .!” .
    فتحققت نبوءته وفرح , لأن الاسم الأول لأنور السادات ..محمد!
    تابع أخباره ..وسمع جميع أقواله وخطبه , وحفظ الكثير منها عن ظهر قلب .!
    وكان يردِّد لكل من سمعه , أن على يديه سينتصر العرب , وستعود حقوق الشعب الفلسطيني .!
    وفي ليلة من ليالي رمضان , قرَّرنا – أنا وابن عمي –
    أن نعمل به مقلباً ..
    كان ابن عمي, بارعاً في تقليد نغمة صوت السادات ولهجته ,والكلمات التي اعتاد ان يستعملها ..
    وكان مجتمعنا في القرية , حديث العهد في معرفة شرائط التسجيل , فلا يعرفها إلا القليل من الشبان ..
    أخذنا مسجِّلاً الى بيتنا , ودخلنا الى غرفتي ,وأغلقنا بابها خلفنا , وضعنا فيه شريطاً فارغاً , وبعد ان شغًّلناه ..
    بدأ ابن عمي , يخطب خطبة “ساداتية “, لا يقدر عليها السادات نفسه !
    وكان من عادتنا , في أيام الشتاء , أن نسهر مع عمّي حول كانون النار ..نسمع منه أخبار الماضي , وتحليل أخبار الحاضر ,الذي كان يحرص على سماعها ..
    سهرنا معه تلك الليلة, حتى أغمض عينيه ونام, وارتفع شخيره .. وكان من عادته في سهراته معنا في رمضان, ان يغفو ساعة , ثم نصحّيه, فيتسحَّر , فينتقل لينام في غرفته.
    فتحنا المسجِّل, على شريط خطبة ابن عمي الساداتية ,
    وتقدم نواف من أبيه ..ونغزه بإصبعه وصاح به :
    يابا ..! يابا ..! السادات بخطب ..!
    فصحت أنا من بعيد : ولَّعتْ ..! ولَّعتْ ..!
    لما سمع عمي صوت السادات , قفز من نومه كأن حيَّة لسعته.
    تَرَبَّع على فرشته , وصاح بابنه : ” هات الدُّخان .!” .
    ” قواتنا اجتاحت خط بار- ليف , ودحرتْ العدُّو , وطائراتنا تقصف قواته..
    قام عمّي من مكانه , وبدأ يلوِّح بيديه ويحركها ..ويركل برجليه بقوة .. مترجماً كلماتة في الخطبة إلى حركات , وهو يصيح من ” قحف رأسه ” :
    إضربْ ..! إضربْ يا سادات ..!
    فليحيّا البزْ إلي رضَّعك ..!
    مش قلتلكم : انه زلمي !؟
    وقبل أن تنتهي الخطبة , قام محمود من مكانه , وأغلق الرايو , تناولته منه, وأسرعت “هارباً ” الى بيتنا ..!
    وصراخ عمي يلاحقني : مالكم .. ! ليش سَديتوه..!
    سامي.. بكره عنده امتحان .. بدو يروِّح إنام !
    ردَّ عليه محمود ..وهو يهرب من أمامه ..
    تاركاً أباه مشدوهاً مقهوراً ..عاجزاً عن فهم الموقف , الذي وجد نفسه فيه .
    أما نحن , فما ان وصلنا الى غرفتي ,وأغلقنا بابها خلفنا , حتى انفجرنا بضحك مجنون, حبسناه في رئاتنا , حتى كادت تتفجَّر ..
    نقلِّده في صوته وحركاته , ونضحك ..ونضحك !
    ضحكنا .. وضحكنا , حتى عجزنا عن الضحك .!
    مرَّ يوم ويومين ..ونحن نتجنَّب مواجهته ..نهرب من أمامه ..ونغادر الغرفة التي يدخلها ..
    كنا فيها منتظرين ” البهدلة ” ,التي سنتلقاها من عمي, ولكن ظروف حياتنا ,أجبرتنا على لقائه !
    ..التقينا به ..سهرنا معه.. ” ما في حِسْ ولا خبر.!”
    فقلنا ” مبيتها ” لأجَلٍ يختاره هو .. فتناسينا الموضوع ..
    ” تا ييجي ذاك اليوم .. وبيجي همه .!” .
    بعد أيام من الحادثة نشبت الحرب ..وعبر الجيش المصري قناة السويس .. وحطَّم خط بارليف ..
    وسهرنا ليال, على صولات وجولات عمي .. وهو يصيح ويصرخ.. ويقوم بحركات تمثيلية , يعبّر فيها عما يسمعه في الراديو ..
    في الليلة الثالثة من الحرب ,صرخ : ” حِلِمتي تحققتْ !”
    أخذ منّا وقت كبير ,حتى فهمنا, ماذا كان يقصد في جملته هذه..
    وعندما تأكدنا , أنه كان يقصد ” ليلة المسجِّل !” سرّى في أجسادنا ارتياح , طالما انتظرناه !
    ” أتعرفون, من يكون ” إيلي عميت ” قائد خط بار- ليف ..!؟
    إنه الجندي الصغير , الذي كان يريد أن يجبرني ,على تحية العلم ..ولَعْنْ عبد الناصر !” ..
    تقدَّم في رتب الجيش, حتى أصبح قائد منطقة ..!عرفت ذلك من مختار البلد الذي ظلَّ على علاقة معه ..!
    أكمل .. ووجهه يزدهر بابتسامة متشفِّية ..!

    قصة بقلم : يوسف جمّال – عرعرة

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    التعليقات

    1. لا أنكر أنّ ما جذبني لمتابعة القراءة هو عنصر التّشويق الدّارج في النّصّ.
      كتابة راقية المستوى، تشمل عدّة معايير هادفة ومبادئ شعب صامد.
      كلّ التّقدير..
      قدَمًا وإلى الأمام دومًا..

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.