• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    طريق العذاب .!

    سمعت وقع دبّات أرجل العكاز الحديدية ,التي تتوكأ عليها عند مشيها ,وخشخشة جرِّ أقدامها على الأرض .. فالتفت خلفي ..كانت هي ..أم عامر ..” مثل اليوم , بكون صار لحسين , خمس سنين !” .
    لاحقتني أم عامر , بكلمات تصاحبها غصة , ” تَشلَع ” القلب .
    ” سنين بتمر بسرعة , مثل الريح .! ” قلتُ مجارياّ ..
    ” على غيري .. ! بس عليّ مرّت كأنها الدهر .. ”
    مدَّت يدها , وسحبت من جيب ثوبها محرمة , لتمسح دموع انفجرت, من مآق سطحتها تفجرات البكاء .
    فتركتها ..وأسرعتُ الخطا , تاركاً لها مساحة أوسع , تنثر فيها دموعها ..
    وأم عامر .. هي أرملة صديقي ,وابن حارتي حسين السالم ..
    ذاب من بين يديّ .. وأبقاني أعيش في حالة من الفقدان .. تأبى ان تفارقني ..
    وكانت البداية .. البداية التي جعلت حياته تبدأ بالإفول ..
    ” أوقفوا الباص ,الذي كان يقلّني , من مكان العمل الى البلد ..” .
    هكذا كان أبو عامر, يبدأ روايته للحادثة , التي غيّرت مجرى حياته..
    “صعد عسكري الى الباص , وطلب بحزم روتيني من الركاب , ان ينزلوا منه , وعندما نزلنا , وجدنا أنفسنا في قبضة عشرات من العسكر ..فوقف واحد منهم , يحمل مكبراً للصوت , وبدأ يصيح : “أنت ..وأنت .. !” إرجعوا الى الباص .!
    نظرت الى المتبقين على الأرض , فوجدتهم تسعة , كلهم من العرب ..
    تركنا الباص وأكمل سفره ..!
    ألتفَّ العسكريون حولنا ,من كلِّ جميع الجهات , وأمرونا بالتوجه نحو سيارات شرطة , كانت تقف بجانب الشارع , كانت معدة لذلك ..
    ولم تطل سفرتنا .. سرعان ما وجدنا أنفسنا , أمام مركز شرطة اللِّد ..
    أنزلونا من السيارت , أحاطوا بنا من كل جانب , مشهرين نحونا بنادقهم وهراواتهم ..تطلق عيونهم علينا شراراً مهدِّداً , من عيون
    جائعة لتعذيب ضحاياها ..
    أمرونا بالسَّير باتجاه باب المركز , فسرنا صامتين , والخوف يجمّدنا ..
    وإذ بأحدهم يهوي عليَّ , بهراوته صارخاً :
    ” ليش بتسب على الدولة ..!؟
    ليش بتسب على اليهود ..!؟ ”
    وصار يكررها بلا انقطاع .. رافعاً صراخه أعلى .. وأعلى , حتى يسمعها , القريب والبعيد من العسكر .
    نظرت الى وجهه مرة ..مرتين .. غرفته ثالثة طويلة ..لأتأكد مما ترى عيناي ..
    انه هو .. دفيد الأثيوبي .. العامل الذي اشتغل معي في العمارة , التي ما زلتُ أعمل بها .
    طرده المقاول الإشكنازي , لأن عمله لم يعجبه ..
    يومها سمعته يقول للمقاول : ” تطردني .. وتبقي العربي .!؟”.
    “أنه يجيد العمل أكثر منك ! ” ..ردَّ عليه المقاول ..
    فتجمعوا حولي , فانهالت علي عصيهم وبواريدهم ..ولم تُسمع صيحاتي – بأنني لم أنطق شيئاً مما قاله ..!
    واستمروا في ” عملهم” , يكيلون لي كلَّ أنواع الضرب واللعن ..
    وعندما دخلنا السجن ,أخذوني الى غرفة مظلمة , وبدأوا بتفتيشي .. , فخرج في يد أحدهم كتاب صغيرً , وعندما سألني عنه.. أجبته ان هذا كتاب القرآن ..
    ” فطرق ” كتاب القرآن , بأرضيَّة الغرفة بكلِّ قوته , وهو يطلق العنان للسانه , كي يسبَّ الذات الإلاهية , والقرءان والإسلام ..
    فداهمتني موجة من الهيجان والثورة , إلا ان موجة أخرى معاكسة أعقبتها , لجمت ثورتي وهيجاني , وبقيت متجمِّداً ساكتاً..
    انتبهت انه قصد إثارتي , كي ” يفشَّ ” غله فيَّ .!
    فتوجهت في سرّي الى الخالق داعياً :
    ” يا ربّي هذا قرآنك فاحميه أنت ..! أنت أقوى منّي ومنهم ..!”
    في كلِّ مرة يحكي لي فيها قصته , كان يصيبه تشنج غريب .. كان يهاجمه البكاء بضراوة , فيبذل جهود جبارة , من أجل مقاومته ومنعه من الإنفجار ..
    “خَلقَةْ أثيوبي مفطِّس , يعمل فيَّ كل هذا العمل ..!؟” كان يصرخ من أعماقه ..
    قدموه الى المحكمة , بتهمة إهانة الدولة والشعب اليهودي ..قضى في السجن سنة ..
    وخرج منه , يختلف عمّا كان عليه قبل أن يدخله ..تحوّل الى إنسان آخر..
    ” هذا مش أبو عامر إلي بعرفه ..!” أسرّت في أذني زوجته , والحسرة تقطِّع قلبها .
    اصبح إنساناً عصبياً, لا يطيق أحد ,لا يجلس في مكان أكثر من دقائق .. لايزور أحداً ..لا أصدقاء ولا معارف ..
    حتى أنا .. جاره وأقرب أصدقائه , حاول أن يبتعد عنّي ويتحاشى مقابلتي ..
    إنزوى في بيته شهرين , لا تبدوا عليه بوادر , انه يفكر بالعودة الى العمل .. وصلت عائلته , المكوَّنة من خمسة أطفال وأمهم ,الى شفى الجوع ..
    عذَّبه صمت زوجته ووجومها , وبكاء أطفاله ..
    فقال لها , وبصورة لم تتوقعها : ” عقديلي بكرة .. بدّي أروح على الشغل .!”.
    في الصباح ,اتخذ مقعده في السيارة , التي تقلُّ العمال , الى أماكن عملهم في تل – أبيب ..
    كان يعرف ان معلمه القديم , سيرحِّب بعودته الى العمل ..
    ليس ” لسود عينيه ” , بل لإتقانه عمله وتفانيه فيه ..وهو الوحيد الذي كان يعتمد عليه المقاول , في الأعمال التي تحتاج الى قدر عال من الدراية والإتقان .!
    نزل من الحافلة .. أخرج البيلفون ونقر رقم المقاول ..
    – أنا هون ..راجع على الشغل .. أنا واقف على محطِّة راما..!” همس في الجهاز باقتضاب..
    – حسين ..!؟ أهلاً بك يا حسين .. عشر دقائق وأنا عندك .!”..
    ردَّ المقاول , وزغاريد النشوة والفرح , تنطلق من كلامه .
    وما أن جلس في مقعد السيارة , حتى بادره المقاول :
    – وين هلغيبه يا حسين .. لا صوت ولا خبر ..!؟ اشتغلت في محل أخر !؟.
    – لا ..لا شيئ .. ظروف ! أجاب كمن يريد , أن ينهي الحديث بسرعة .
    لاحظ المعلم ,ان شيئاً غير عادي حدث له , إنه يعرفه منذ سنوات , لاحظ ان شعلة الحيوية , التي عهدها به قد انطفأت ,
    فسكت ..
    وصلا العمارة , نزلا من السيارة , وصعدا الى الطابق الثاني , الى الشقة التي يعملان بها حالياً ..
    بدأ المقاول بالشرح :
    “سيصل باقي العمال في كلِّ لحظة ..والشغل ليس غريباَ عنك..”.
    في هذه اللحظة ,دخل الى الشقة إثنان من العمال العرب .. وبعد أن ألقوا التحية عليهم , وقفوا يستمعون الى شرح المقاول ..
    “أهلاً .. !” ارتفع صوت أحد العمال , التي كانت أنظاره بمواجهة الباب ..
    نظر حسين بأتجاه الباب فصرخ بالمقاول :
    ” هذا الكلب .. يا أنا في الشغل يا هو ..!” .
    ليش ..!؟ شو عِملّك ..!؟ ردَّ المعلم باستغراب شديد
    ” بسببه دخل حسين السجن ..!” قال أحد العمال ..الذي كان قد أطلعه حسين على القصة .
    نظر المقاول باتجاهه , وصاح به : ما سمعناه صحيح .!؟”
    بقي الأثيوبي متجمداً أخرس ! ..
    فصرخ به المقاول : ” إخرج من هنا لا تريني جهك بعد الآن..!”.
    أنهى حسين يوم عمله , بدّل ملابسه , وخرج من العمارة الى الشارع , متخذاً طريقه الى المحطة , ليركب الباص التي ستقله الى بلده .
    جلس على مقعد المحطة , تاركاً لعينيه مراقبة ما يجول حوله..
    لآن الإعتداء على العمال العرب كان معتاداً في هذه المدينة ..
    وإذا برجل يجري باتجاجه , ويشير بإصبعه نحوه ويصيح :
    : مخرِّب ..! مخرَّب ..!
    عربي .! عربي .!
    تمعَّن في وجهه .. فكان هو الأثيوبي ..!
    فتجمّع حوله خلق كثير , تصدر عنهم صيحات ,مرعبة كأنها تخرج من وحوش متعطشة , لتنهش باظافرها ,من فريسة سيقت إليهم ..
    إضربوه ..! اقتلهوه ..! خلصوا عليه .!
    انهالوا علي , بكل أنواع الضرب واللطم ..تصاحبها لعنات ومسبات من كلِّ نوع ولون ..
    كان يحاول ان يتلقى الضربات .. ولكن لكثرتها أصابته في مواقع كثيرة .
    كان آخر ما شعر به قبل ان يُغمى عليه , سائل يخرج من بطنه .. عرف انه دم ..
    خلّصته الشرطة من بين أظافرهم .. ولكن بعد فوات الأوان .!

    بقلم : يوسف جمّال – عرعرة

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.