• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    إعتراف مطعون

    تفجّر كل ما خزنته السنون مرة واحدة ..
    مخزون عشرات من السنين , اندفع من قمقمه كالبركان ..
    إندمل في أعماقنا , وأوشك ان يدفن, معنا تحت التراب ..
    ولكنه مكتوب على تراب صبارين .. هضابها وديانها سماءها..وذاكرتنا ..
    يلاحقنا ..
    زوجتي قالت لي , وهي تغسل الصحون في المجلى :
    اتصلت أم جمال .. وطلبت أن تساعد ابنها , لتحضيره لإمتحان توجيهي اللغة الإنجليزية .!” .
    حاولت بفشل أن تجعل صوتها عادياً ..وتخفي مشاعرها التي تستتر وراءه..
    وكم كانت دهشتها ,عندما أجبتها باقتضاب , حاولت لجمه , ليكون عادياً روتينياً :
    ” بقدر ييجي ..َ! ”
    ” مثله مثل الناس ..!” أضفت كي أفهمها, أنني أعي ما أقول.!
    فسكتت دافنة نار دهشتها ..وغليان استغرابها ..
    عملت معلماً للغة الإنجليزية , مدة تزيد عن أربعة عقود , وبعد تقاعدي , أشغلت وقتي في تدريس دروس خصوصية للطلاب . فيها إشغال لأوقات فراغي , وبعض الأجر , يضاف الى معاشي من التقاعد .
    وإم جلال هي زوجة سالم الصباريني ..سالم الموسى ..!
    أنا وهو أصلنا من صبارين ..!
    رمتنا النكبة منها الى عرعرة .. فعشنا بها لاجئين ..
    في حارة واحدة ..
    ولكن في عالمين مختلفين , كل منا عاش في عالمه الخاص .. أكمل ما كان قد بدأه في صبارين .
    لاحظت ان ابنه ,لا يكترث بماضي أبيه وأجداده في صبارين ,حاولت ان أستدراجه الى حديث عنها .. ولكنه أظهر جهل وعدم اكتراث , فتركته .
    وجاءت زيارة أبيه المفاجئة , بعد ان أنهيت من إعطائه المواد اللازمة للإمتحان .
    طرق باب بيتنا , وجلس على الكرسي المقابل .. تبادلنا جمل التحيات الرسمية .. عن الأولاد ..وأحوال الطقس وزحمة المرور ..
    ولما انتهينا منها .. لاحظت انه يبعد عينيه عن مرمى عيني ,
    كان يصوبهما نحو الأرض !
    وبعد لحظات صمت ثقيلة ..قال دون ان يرفع عينيه عن الأرض :
    ” قدّيش بتكلفنا دروس تامر ..!؟” .
    قال وهو يمدُّ يده الى جيبه ..
    ” هذول هديَّة مني لتامر ..! ” رددت وكأن الأمر عادياً ..
    ” لا .. لا .. مش ممكن ..! ”
    ردَّ بعصبية , بعد ان أفاق من الصدمة التي فاجأته , ولم يكن حاضراً لها ..
    ” مش إحنا أولاد بلد .!؟ ” قلت وأنا مستمر في المحافظة, على لهجة حديثي العادية .
    وعرف أني أعني صبارين ..
    لاحظت ذلك من اختطاف وجهه , من قبل تقلبات موجات من المتضاربة الألوان !
    سكت سكوت ما قبل العاصفة ..وانفجر كالبركان :
    “بتعرف مين منع عن ابنتك الوظيفة .!؟
    أنا .!
    مين سبب سجن ابنك سامي, بعد يوم الأرض !؟
    أنا .!
    مين سبب توقيف, إكمال بناء بيت ابنك في أرضكم .!؟
    أنا .!
    مين ..
    كفى ..! كفى..! صرخت به ..
    قم من مكانك , واخرج من بيتي ..لا أريد أن أرَ وجهك بعد الآن ..!
    عرفت لماذا اختارني لأُدرِّس أبنه ..!
    جاء ليضع نفسه في قفص الإعتراف ..ليطلب المغفرة منّي ومن نفسه .!
    جاء ليعترف , أنه ظلَّ عميلاً لهم , واستمرَّ بملاحقتنا – أنا وعائلتي – حتى في الغربة والشتات .!
    جاء ليكفِّر عن ذنوبه .. ويغسل آثامه بي َّ!
    وعرفت بعد ذلك , انه يعاني من مرض عضال .. أكد له الأطباء انه لن يمهله طويلاً ..
    وخرج ..
    وعاد إليَّ شريط ماضينا في صبّارين ..
    الصورة الأولى كانت .. عندما كان واقفاً بجانب أبيه بصحبة اثنين من اليهود ..
    كان أبي يصرخ في وجوههم :” لن أبيع .! لن أترك هذه البلد.!”
    أما أنت فلا تدخل بيتي ثانية ..وإن دخلته مرة أخرى ..ستلاقي ردود فعل لم تحلم بها.!
    أكمل متوجهاً الى أبيه ..
    كنت واقفاً مثله بجانب أبي ..أنظر إليهم , باحثاً عن رقابهم ,
    كي أخنقهم !
    كنا أنا وهو في العاشرة من أعمارنا .. يجمعنا صف واحد ..
    ولكن هوَّة سحيقة كانت تفصل بيننا ..
    كان ابن إقطاعي, ينعم في ترف من العيش ..أما أنا فإبن فلاح بسيط ,لا يملك من الأرض , إلا بضع دنمات , لا يكاد توفر له لقمة العيش ..
    وهذا يرجعني الى صورة قديمة ..قديمة جداً ..
    صورة أبيه ,وهو يزعق كالملسوع :
    ” ابني ما بقعد بجانب ولد أبوه بشتغل عندنا ..!”.
    كنا أنا وهو ,في يومنا الأول في الصف الثاني , واراد معلمنا
    “الجديد ” , ترتيب جلوسنا على مقاعد الصف , فلما طلب منه ان يجلس بجانب خالد , رفض بإصرار .
    ولما حاول المعلم ان يجبره , هرب من الصف , ورجع مع أبيه .
    ولما ردَّ عليه المعلم , انه أراد أن يجلسه بجانب ” أشطر” ولد في الصف ..تابع صراخه :
    أشطر ولد ..! مش أشطر ولد ..! أن بدّي ابني يقعد بحد ولد من مقامه .!” .
    وخضع المعلم , وأجلسه بجانب ابن إقطاعي آخر .!
    والصورة الثالثة التي جمعتنا معاً ..
    مرور سيارة الشحن المكشوفة ,التي كانت تقلنا , لترمينا خارج البلد ..
    كان يقف أمام بيتهم ,ويحدِّق بشماتة بإتجاهنا ..
    كان ينظر إلينا ” وابتسامة من التشفي , ترتسم هلى شفتيه
    وتقول :” مطلعتوش بِلمِليح .. بتطلعوا بالقوة .!” .
    شعرت أنه يرمي على الموت سكر .! وملح على الجراح النازفة .!
    فتمنيت ان يقع بين يديّ لأقتله .!

    والصورة الثالثة ..
    عندما رمتهم نفس السيارة ,في مخيّم الفريديس ,تمهيدا لتهجيرنا الى بلاد الشتات .
    نظرت الى داخل سيارة الشحن , كان هو ..
    كان يجل في “قاع” السيارة , بجانب خالد ..!
    الولد الذي رفض الجلوس بجانبه ,على مقعد الدراسة .!
    لم انظر إليهم عندما نزلوا , هو وعائلته , بشماتة وتشفّي ..
    بل تأكدت , من مقدار الهمجيّة التي وصلت إليها العصابات اليهودية , في تهجير وطرد العرب , من بيوتهم في وطنهم .َ
    حتى أنهم لم يرحموا المتعاونين معهم .!!

    قصة بقلم : يوسف جمّال – عرعرة

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.