• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    من كتاب لا تحزن للشيخ عائض القرني

    إذا داهمتك داهية فانظر في الجانب المشرق منها ، وإذا ناولك أحدهم كوب ليمون فأضف إليه حفنة من سكر ، وإذا أهدى لك ثعبانا فخذ جلده الثمين واترك باقيه ، وإذا لدغتك عقرب فاعلم أنه مصل واق ومناعة حصينة ضد سم الحيات .
    تكيف في ظرفك القاسي ، لتخرج لنا منه زهرا ووردا وياسمينا ﴿ وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ﴾ . سجنت فرنسا قبل ثورتها العارمة شاعرين مجيدين متفائلا ومتشائما فأخرجا رأسيهما من نافذة السجن . فأما المتفائل فنظر نظرة في النجوم فضحك. وأما المتشائم فنظر إلى الطين في الشارع المجاور فبكى. انظر إلى الوجه الآخر للمأساة ، لأن الشر المحض ليس موجودا ؛ بل هناك خير ومكسب وفتح وأجر .
    { أمن يجيب المضطر إذا دعاه } من الذي يفزع إليه المكروب ، ويستغيث به المنكوب ، وتصمد إليه الكائنات ، وتسأله المخلوقات ، وتلهج بذكره الألسن وتؤلهه القلوب ؟ إنه الله لا إله إلا هو. وحق علي وعليك أن ندعوه في الشدة والرخاء والسراء والضراء ، ونفزع إليه في الملمات ونتوسل إليه في الكربات وننطرح على عتبات بابه سائلين باكين ضارعين منيبين ، حينها يأتي مدده ويصل عونه ، ويسرع فرجه ويحل فتحه ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه﴾ فينجي الغريق ويرد الغائب ويعافي المبتلي وينصر المظلوم ويهدي الضال ويشفي المريض ويفرج عن المكروب ﴿ فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ﴾ .
    وليسعك بيتك العزلة الشرعية السنية : بعدك عن الشر وأهله ، والفارغين واللاهين والفوضويين ، فيجتمع عليك شملك ، ويهدأ بالك ، ويرتاح خاطرك ، ويجود ذهنك بدرر الحكم ، ويسرح طرفك في بستان ا لمعارف. إن العزلة عن كل ما يشغل عن الخير والطاعة دواء عزيز جربه أطباء القلوب فنجح أيما نجاح ، وأنا أدلك عليه ، في العزلة عن الشر واللغو وعن الدهماء تلقيح للفكر ، وإقامة لناموس الخشية ، واحتفال بمولد الإنابة والتذكر ، وإنما كان الاجتماع المحمود والاختلاط الممدوح في الصلوات والجمع ومجالس العلم والتعاون على الخير ، أما مجالس البطالة والعطالة فحذار حذار ، اهرب بجلدك ، ابك على خطيئتك ، وأمسك عليك لسانك ، وليسعك بيتك ، الاختلاط الهمجي حرب شعواء على النفس ، وتهديد خطير لدنيا الأمن والاستقرار في نفسك ، لأنك تجالس أساطين الشائعات ، وأبطال الأراجيف، وأساتذة التبشير بالفتن والكوارث والمحن، حتى تموت كل يوم سبع مرات قبل أن يصلك الموت { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا }.
    العوض من الله لا يسلبك الله شيئا إلا عوضك خيرا منه ، إذا صبرت واحتسبت ((من أخذت حبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة)) يعني عينيه ((من سلبت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسب عوضته من الجنة)) من فقد ابنه وصبر بني له بيت الحمد في الخلد ، وقس على هذا المنوال فإن هذا مجرد مثال . فلا تأسف على مصيبة فان الذي قدرها عنده جنة وثواب وعوض وأجر عظيم . إن أولياء الله المصابين المبتلين ينوه بهم في الفردوس ﴿ سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ﴾ . وحق علينا أن ننظر في عوض المصيبة وفي ثوابها وفي خلفها الخير ﴿ أولـئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولـئك هم المهتدون ﴾ هنيئا للمصابين ، بشرى للمنكوبين.
    إن عمر الدنيا قصير وكنزها حقير ، والآخرة خير وأبقى فمن أصيب هنا كوفئ هناك ، ومن تعب هنا ارتاح هناك ، أما المتعلقون بالدنيا العاشقون لها الراكنون إليها ، فأشد ما على قلوبهم فوت حظوظهم منها وتنغيص راحتهم فيها لأنهم يريدونها وحدها فلذلك تعظم عليهم المصائب وتكبر عندهم النكبات ؛ لأنهم ينظرون تحت أقدامهم فلا يرون إلا الدنيا الفانية الزهيدة الرخيصة.
    أيها المصابون ما فات شيء وأنتم الرابحون ، فقد بعث لكم برسالة بين أسطرها لطف وعطف وثواب وحسن اختيار. إن على المصاب الذي ضرب عليه سرادق المصيبة أن ينظر ليرى أن النتيجة { فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب } ، وما عند الله خير وأبقى وأهنأ وأمرأ وأجل وأعلى .
    الإيمان هو الحياة الأشقياء بكل معاني الشقاء هم المفلسون من كنوز الإيمان ، ومن رصيد اليقين ، فهم أبدا في تعاسة وغضب ومهانة وذلة ﴿ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ﴾ . لا يسعد النفس ويزكيها ويطهرها ويفرحها ويذهب غمها وهمها وقلقها إلا الإيمان بالله رب العالمين ، لا طعم للحياة أصلا إلا بالإيمان .

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    التعليقات

    أضف تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.