من الشعر الساخر

تاريخ النشر: 09/10/17 | 4:34

برز الشعر الساخر في العصر العباسي، فكان هذا اللون بارزًا في أبواب الأدب، وخاصة في شعر ابن الرومي.
لعل سبب قلة الشعر الساخر بين شعرائنا اليوم يعود أولاً للحساسية في العلاقات الاجتماعية، ثم إن الهجاء لا نجده كما كان عليه في شعرنا القديم، فلا نقائض ولا معارك أدبية ولا قبلية محرّكة.
فالموضوع الهجائي الساخر لم يعد موضوعًا يسترعي في أيامنا الاهتمام والمتابعة، من المتلقين، وبالتالي من الشعراء.
إليكم هذه اللقطات الذكية التي كان يبدعها ابن الرومي، في الوقوف عند العيوب الجسمية كالأصلع والأحدب والطويل جدًا أو القصير جدًا مما فيه تصوير وإبداع، رغم أننا قد نجد فيه مسًا في أعرافنا اليوم.
لنقرأ بعض هذه الصور الكاريكاتيرية الفنية:
يصف ابن الرومي رجلاً أحدب:
قصرت أخادعُه وغار قذالُه *** فكأنه متربِّص أن يُصفعا
وكأنما صُفعت قفاه مرة *** وأحس ثانية لها فتجمعا
هنا نجد الصورة حسية حركية، فقد تجمع الأخدعان= العرقان في رقبته، واختفى مؤخر الرأس، فكأنه يخشى على نفسه من صفعة قوية مرتقبة.
وربما قام بذلك حماية لمؤخر رأسه، إذ تخيل الشاعر أنه صُفع مرة صفعة قوية، وآلمه ذلك الصفع، وها هو يتجمع خشية الصفعة الجديدة، وفي حركته هذه سيظل وكأنه مصفوع أبد الدهر.
هي صورة الأحدب كما يتخيلها الشاعر، ويتأملها حسيًا وحركيًا معًا.
لا أظن ابن الرومي هجا الأحدب بسبب صورته فقط، وإنما كان هناك بعض ما أزعجه منه، وربما بسبب تطيّره الحاد الذي جعله يجرؤ على تقديم هذه الصورة الساخرة.
كما وصف أُنافيًا (له أنف طويل)، فقال:
حملتَ أنفًا يراه الناس كلهــــــم *** من ألف ميل عِيــــــانًا لا بمقياسِ
لو شئتَ كسبًا به صادفتَ مكتسَبًا *** أو انتصارًا مضى كالسيف والفاس
عليك خرطوم صدق لا فُجعت به *** فإنه آلة للجود والباس
يذكرني ذلك بما وصف به شاعر أُنافـيًا آخر:
لك أنف يا ابن حرب *** أنفت منه الأنوف
أنت في القدس تصلي***وهو في البيت يطوف
ولابن الرومي في رجل أصلع:
فوجهه يأخذ من رأسه *** أخذ نهار الصيف من ليله
وله في قصير أعور أصلع:
أقِصَرٌ وعَوَرٌ *** وصلعٌ في واحد
شواهدٌ مقبولة *** ناهيك من شواهد
تنبئنا عن رجل *** مستعمل المقافد
أقمأه القفد فأضــحى قائمًا كقاعد
والقفد هو ضربه على قفا رأسه، وصورة الرجل “المستعمل المقافد” الذي يُضرب في كل مكان صالح منه للضرب، فيَصْلع لقَفْده في موضع شعره، ويقصر لكثرة الضرب على رأسه، ويصاب بالعور لضربه على عينه، وحركة الأبيات نفسها حين تقرأ بتتابع كحركة الصفعات التي تخبط به طالعة نازلة.
وله في (عمرو) هجائية يتركز فيه على وجهه الذي يشبه وجه الكلب، ويمضي في القصيدة مقارنًا بينه وبين الكلب في سخرية لاذعة:
وجهك یا عمروفیه طول *** وفي وجوه الکلاب طول
مقابح الکلب فیك طرًا *** یزولُ عنها ولا تزولُ
ويختم الهجائية ذاكرًا بيت شعر مؤلف من تفاعيل القصيدة، فيتبعه:
بيت كمعناك ليس فيه *** معنى سوى أنه فضول
لنقرأ صورة وصفية أخرى لرجل اسمه عيسى عُرف عنه البخل:
يقتّر عيسى على نفسه *** وليس بباق ولا خالد
ولو يستطيع لتقتيره *** تنفس من منخر واحد
فصورة التنفس من منخر واحد صورة جديدة وغريبة جاءت لتدل على عيسى الذي يضيّق على نفسه، وهو في تقتيره لا يُجزى نفعًا، فهو لن يخلد بسبب حرصه العجيب.
أما سخرية ابن الرومي من المغنّين فهي كثيرة، فيها هجاء مؤلم، فله في معلم صبيان مغنًّ:
أبو سليمان لا ترضى طريقته *** لا في غناء ولا تعليم صبيان
عواء كلب على أوتار مندفة *** في قبح قرد وفي استكبار هامان
وتحسب العين فكيه إذا اختلفا *** عند التنغم فكَّيْ بغل طحان
فانظر إلى التشبيه (بغل طحان) ففيه تصوير لبغل يتعبه الطحان في عمله، وقد يكون جائعًا، فأي صوت سيصدر من بين فكيه؟
وله في جحظة — وكان مغنيًا جاحظ العينين:
تخاله أبدًا من قبح منظره *** مجاذبًا وترًا أو بالعًا حجرا
كأنه ضِفْدع في لجَّة هرمٌ *** إذا شَدَا نَغمًا أو كرَّر النظرَا!
ابن الرومي بارع في التصوير، ولو عُرف الكاريكاتير في عصره رسمًا لكان فيه صاحب أفكار مذهلة.
وله في مُغنٍّ آخر:
إنك لو تسمع ألحانه *** تلك اللواتي ليس يعدوها
لخلت من داخل حلقومه *** موسوسًا يخنق معتوها
فتخيل هذه الصورة المدهشة- مخنوق يخنق معتوهًا، فأي صوت منكر هذا؟!
وله في مغنية أخرى:
صوتها بالقلوب غير رفيق *** بل له بالقلوب عنف وبطش
فإذا رققته بالجهد منها *** خلت في حلقها شعيرًا يُجش
الشعير الذي يُجش- صورة منفرة، هذا إذا بذلت جهدًا ورققت صوتها، فابن الرومي لا يحتمل هذا العنف أو البطش الصوتي.
لنصاحب الشاعر مع بعض أصحاب اللحى، فهذا له لحية طويلة، فتخيل وصفه:
لو غاص في الماء بها غوصة *** صاد بها حيتانه أجمعا
أو قابل الريح بها مرة *** لم ينبعث في خطوه أصبعا
واقرأ هذا الخطاب لأحدهم:
إن تَطُل لحية ٌ عليك وتعرضْ *** فالمخالي معروفة للحميرِ
علَّق الله في عِذاريك مِخْلاة ً ولكنها بغير شعيرِ
الشاعر مصرّ على أن صاحبها حمار واللحية مخلاة، ولكنها من شعر لا من شعير.
لاحظنا في أوصاف ابن الرومي قدرة على التهكم والعبث والفكاهة.
والسؤال:
هل سخریته وهجاؤه انتقامٌ اجتماعي وقصاصٌ رادعٌ من هولاء الناشزین الذین جسّدَ عیوبهم واخلاقهم في شعره؟
هل هو نقمة محروم وکان یرید أن یعیش عیشة تلیق برتبته ومقامه العالي في رأیه، وبالمنزلة التي یری نفسه أحقّ بها من غیره، فهو لم یظفر بشئٍ بما يجعله في دَعة، وعاش في حرمان، لهذا استخدم لسانه في الدفاع عن نفسه لأنّه لایملك غیره؟
يقول أدونيس:
«وبین السخریة الحزینة المرة، والسخریة التي تعکس شعورًا بالکارثة، والسخریة الضاحکة، ینسحق العالم ویتفتت. فالسخریة تترجم حاجة روحیة؛ المجتمع یسحق الشاعر بلا مبالاته وإنکاره، فیسحقه الشاعر بأنّ یسخر منه ویحتقره. کما نری خاصةعند ابن الرومي»
(مقدمة الشعر العربي، ص 39)

ب. فاروق مواسي


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة