• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    تل الزعتر- ذاكرة شعب وذكرى جريمة نكراء

    قرأتُ كتيب “تل الزعتر يقاوم التغييب” للكاتب بسام الكعبي، الصّادرِ عن دار مجد للتصميم والفنون – حيفا لصاحبها ظافر شوربجي، وهو يحوي في طيّاته 38 صفحة، في ذكرى أربعون عامًا على مجزرة تل الزعتر، ولوحة الغلاف للفنّان الفلسطينيّ اسماعيل شموط.
    الكاتب بسام الكعبي محرر ومدرّب صحفي في فنون الكتابة. متخصص في القصة الصحافية، الريبورتاج والبروفايل وأصدر عدة كتب تتناول بأسلوب البروفايل الصحفي مسيرة شخصيات ثقافية ومجتمعية فلسطينية .
    صدر الكتيب تزامنًا مع إصدار وإشهار الطبعة الثالثة لكتاب “يوميات طبيب في تل الزعتر” للدكتور يوسف عراقي في نادي حيفا الثقافي.
    يهدي بسام كتابه إلى المناضلة الأممية إيفا شتال/سميرة حمد التي بلسمت جراح تل الزعتر وقدمت لفقرائه كل ما تملك. إلى المقاتلين الأشداء الذين لم ينكسروا وصنعوا من تل الزعتر أسطورة في الكفاح والصمود والتحدي وقرعوا باب التاريخ بقامات مرتفعة، إلى الأرواح البريئة التي حصدتها آلة الدمار الفاشية، بطبعات متعددة، ودون رحمة. إلى مشرّدي المخيم في كل بقعة لامست طهر حضورهم الكفاحي. وكان لي شرف التواصل مع إيفا في السنة الأخيرة واشتركت عبر الهاتف في الأمسية الحيفاوية للسنويّة الأربعين للمجزرة فصرخت وأبكت كل من تواجد في القاعة…
    اعتمد بسام في وثيقته الدامغة شهادات شفوية، عملا بحثيًّا ومقابلات مع من كان هناك أيام الحصار ونجى بأعجوبة ليروي بعضًا مما رأى ليكون عبرة لمن يعتبر وليذكّر إن نفعت الذكرى وكتابات أخرى حول الحصار والمجزرة.
    تطرّق بسام إلى المؤامرة التي حيكت بين النظام السوري والكتائب اللبنانية اليمينية التي راح ضحيتها ألاف الشهداء، ويرى البعض -كالمؤرخ الراحل ناجي علوش- وآخرين من الناجين من المذبحة أن قوات منظمة التحرير الفلسطينية امتنعت عن محاولة إنقاذ مخيم تل الزعتر وتركته يواجه مصيره لحسابات سياسية آملة بالتصالح مع القوات اللبنانية وطمعًا بفتح قنوات مع جهات أوروبية من خلالها، الأمر الذي ساعد على تهميش وتغييب ما حدث في مذبحة في تل الزعتر.
    يتحدّث بسام عن المخيم وإقامته، جغرافيّته وتاريخه ومحاولات ترحيل أهله قبل المجزرة، ومن ثم الحصار الذي عبّد طريق المجزرة ، حيث تم فرض طوق عسكري في الرابع من كانون ثاني 1976 وتبعه حصار تمويني وتزايد الحصار عنفًا بالتدريج حتى بدأ العدوان الغادر في الثاني والعشرين من حزيران 1976 بهجمات المليشيات المسلحة، سبقها قطع شبكة الكهرباء، وحظر وصول الطعام ومياه الشرب للفقراء واللاجئين! اجتاحت القوات الانعزالية المخيم يوم 12.08.1976 ونفذّت سلسلة مروعة من المجازر ضد اللاجئين الفلسطينيين ومنها تمزيق الشهيد محمود كروم إربًا بين سيارتي جيب! وتركوا الجثث في العراء. صمد المخيم طوال 52 يومًا وقاتل ببسالة، وتعرض إلى قصف عنيف جدًا طاول 55 ألف قذيفة بتغطية مدفعية النظام السوري، وسقط المخيم بعد يومين من بدء المجازر.
    يصوّر بسام موقف الممرضة السويدية المتطوعة إيفا شتال (سميرة حمد) التي تزوجت يوسف حمد الذي استشهد في المجزرة وفقدت كلتا يداها وجنينها وصرخت : ” كان الجنين كل ما أملك لأعيش من أجله وأنجو من مجزرة رهيبة”.
    كما ويصوّر بسام معجزة نجاة الأطباء، ومنهم الدكتور يوسف عراقي، وخروجهم من تل الزعتر يوم سقوطه، في أطول طريق عبرها يوسف في حياته وشاهد مئات الجثث الطاهرة للأطفال والنساء والشيوخ على جانبي ممر إجباري لا يتجاوز 300 متر.
    يصوّر بسام وضع جثامين من استشهد في المجزرة ولم يحظ بدفن وحلم ذويهم بدفنهم، وعندما حملت أم وائل الأسعد جثمان زوجها، كأنها تحمل كنزًا ثمينًا، صرخت :” كم تألّمنا وذقنا المرّ منذ بدء مسلسل النكبة، هل يُعقل دفع مال للحصول على جثامين الأحباء وإعادة دفنها وقد قضوا بغير ذنبٍ اقترفوه”!!
    استشهد في تل الزعتر أكثر من أربعة آلاف لاجئ وفقير، كثيرون ما زالوا في عداد المفقودين،معظمهم من الأطفال والنساء والمسنين، ومنهم من توفي عطشًا ! وبسبب المجاعة التي جرت على أهل المخيم بسبب الحصار طلب الفلسطينيون في المخيم من علماء المسلمين فتوى تُبيح آكل جثث الشهداء كي لا يموتوا جوعًا، وحضرتني قصيدة “ملعونٌ يا سيف أخي” للشاعر فاروق جويدة :
    “والآن تكفِّنُهُ عيني
    فدعوني آكلُ من ابني
    كي أنقذ عمري ..
    ماذا آكل من ابني؟
    من أين سأبدأ ؟
    لن أقرب من عينيه
    عيناه الحدُ الفاصل
    بين زمان يعرفني
    وزمانٍ أخر ينكرني ..
    لن أقرب أبدًا من قدميه
    قدماهُ نهايةُ ترحالي
    في وطنٍ عشتُ أطاردُهُ
    وزمانٍ عاش يطاردني ..
    ماذا آكلُ من ابني؟
    يا زمن العار .. تبيعُ الأرض، تبيعُ العرض .. وتسجدُ جهرًا للدولار ..
    لن آكل شيئاً من أبني يا زمنَ العار
    سأظلُّ أقاومُ هذا العفن
    لآخرَ نبضٍ في عمري ..
    سأموتُ الآن
    لينبُتَ مليون وليد
    وسطَ الأكفان على قبري ..
    وسأرسم في كل صباح .. وطناً مذبوحاً في صدري..”

    سقط المخيم وقامت جرافات الكتائب فورًا بتدمير المساكن المهدمة وتسويتها بالأرض لمحو آثار الجريمة، وتم تشريد ما تبقى من لاجئين، آملين بالعودة والبقاء فوق تراب الوطن، بعيدًا عن قسوة المنفى.
    بسام ليس بمؤرخ والكتيب لا يصبو أن يكون وثيقة تاريخية، بل هو صرخة مدويّة ومحاولة متواضعة لمقاومة التغييب وتهميش المجزرة التي لم يُكتب عنها الكثير، ولم تتناقل وسائل الاعلام إلا القليل منها بضبابية ليبقى تل الزعتر رمزًا أسطوريًا للصمود الفلسطيني اللبناني وليظل حاضرًا في الذاكرة حتى ينال شعب فلسطين حقه في الاستقلال.
    يختتم بسام وثيقته بنشيد شاعرنا محمود درويش، ليظل أحمد الزعتر ينبض في مخيم “ينمو وينجب زعترًا ومقاتلين” ، فيما تردد إرادة المنتصر بصوت مرتفع :
    أنا أحمد العربيّ – فليأت الحصار
    جسدي هو الأسوار – فليأت الحصار
    و أنا حدود النار – فليأت الحصار
    و أنا أحاصركم
    أحاصركم
    وصدري باب كلّ الناس – فليأت الحصار

    نعم يا بسام، لن ننسى، ولن نسامح، ولن نغفر لأحد، مهما تعددت سمات القاتل، وتغيّرت صورة الجلاد، وستبقى الأجيال حريصة على بناء الروايات الشفوية وقد غابت بفعل صمت الضحية.
    الكتيّب صرخة في واد وآن الأوان لتوثيق أحداث مجزرة تل الزعتر بالشهادات الشفوية على لسان مَن نجى مِن المجزرة ليروي قصّته وقصّة من استشهد من ذويه لأن المتبقّين من المنتكبين ومن نجوا من براثن الموت يتناقصون ويموتون وتموت معهم حقيقة ما حدث علها تكون عبرة لمن اعتبر، فهل من سامع ومجيب؟!؟
    المحامي حسن عبادي

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    أضف تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.