• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    المخرج سمير حسين: كان إسمها دراما سورية

    بين عمله وهو طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره في معمل لتصنيع «قمر الدين» في حي الزبلطاني الدمشقي، وذهابه إلى نيويورك تلبية لدعوة وجهتها إليه جائزة «إيمي أوورد» العالمية بعد تأهل عمله «بانتظار الياسمين» للمنافسة على الأوسكار التلفزيوني، يتوقف سمير حسين (ريف دمشق – 1969) بين مشهدين، محدّقاً في علب المشمش المجفف التي أكلت من يديه صغيراً، فالفتى تزخر ذاكرته بآلاف الصور الخاطفة عن تلك المرحلة: حصان أبيه (علي الوحش) الفدائي في الجيش السوري، وأحد أبطال عملية (ميونخ عام 1972) تأخذ المخرج السوري – الفلسطيني إلى تلك الأيام بحنين عارم. هو الولد العاشر بين تسعة عشر صبياً وبنتاً أنجبهم أبوه من سبعة نساء تزوّج بهن، قبل أن يقضي شهيداً على تراب الجولان السوري المحتل.

    مع عمّال المناجم
    سوف يكتب ممدوح عدوان قصته «الخشنية» عن والد «حسين» كما سيذكره الروائي حيدر حيدر في غير رواية من رواياته بطولات «الوحش»، ليكبر الفتى الذي أمضى مراحله الدراسية الأولى في «مدارس أبناء الشهداء» وسوف يقف مبكراً على خشبة مسرح هذه المدارس إلى جانب أيمن زيدان في مسرحية «تل الشوح – 1981» تأليف حسين حمزة. وقتذاك اختاره المخرج مانويل جيجي لأداء دور الطفل في العرض، من دون أن يعرف أن الأيام ستجمعه بـ «جيجي» مرةً أُخرى مُشرفاً على عرض تخرّجه «بعض من تشيخوف – 1991» في المعهد العالي للفنون المسرحية.
    دراسته للتمثيل في الأكاديمية السورية لن تثنيه عن حلمه بفن الإخراج الذي داعب مخيلته منذ مشاهداته الأولى لمسلسلات «صح النوم» و «أسعد الوراق»، ومع أنه قدّم العديد من العروض المسرحية ممثلاً إلى جانب بسام كوسا ومروان فرحات ومحمد خاوندي على نحو: «رجل برجل» (إخراج فايز قزق) و «جيسون وميديا» (إخراج جهاد سعد) و «أبيض أسود – بانتومايم» لعماد عطواني، إلا أن الشاب كان مصرّاً على تعلم مهنة الإخراج السينمائي.

    قادت الظروف حسين إلى تزكيته عند السفير البريطاني بدمشق، من قبل المايسترو الراحل صلحي الوادي أستاذه في مادة التذوق الموسيقي بالمعهد المسرحي، للحصول على تأشيرة الدراسة في بلاد شكسبير؛ وذلك بعد حضور الأخير للعرض السوري ـ الفرنسي المشترك «روميو وجولييت» للمخرج الفرنسي أندريه سيريه.
    الفرصة لم تعاند صاحب «أمهات» كممثل في التلفزيون أيضاً، فالرجل لعب أدواراً لافتة في أعمال هيثم حقي «هجرة القلوب إلى القلوب» وغسان باخوس «الحوالة» ومحمد فردوس أتاسي «العروس». مسلسلات أسست لوجوده كممثل في الدراما السورية، إلا أن حلم المخرج السينمائي حمله إلى المملكة المتحدة، ليدرس فن السينما في لندن، ويحصل من هناك على درجة البكالوريوس في الإخراج السينمائي. يقول حسين لـ «السفير»: «تعلمتُ على حسابي الشخصي، وهذا ما اضطرني للعمل في أكثر من مهنة لأتدبر أمري، فاشتغلتُ نادلاً في مطاعم ماكدونالدز، وهبطتُ مع عمال المناجم ثلاثمئة متر تحت الأرض لاستخراج الفحم في مدينة (دندي) الاسكتلندية. كل هذا لم يجعلني نادماً على قراري بدراسة الإخراج، بل دفعني قُدُماً إلى الأمام، إذ كلما تذكرتُ حصان أبي الأبيض يدلف إليّ في مناجم الفحم، ويصهل قريباً كأنه قادم من بحر حيفا مع عرب 1948، تذكرتُ وجه أُمّي (خالدية) كأنها فلسطين في هيئة امرأة، ترفع يديها بالدعاء لي ولإخوتي».
    عام 1994 سيسافر صاحب «أسير الانتقام» إلى مدينة ليدز وسط بريطانيا، ليحصل منها عام 1998 على شهادة دراسات عليا في الإخراج السينمائي والتلفزيوني. منجزاً فيلمه الأول «نهاية الصيف» (15 دقيقة) كشهادة تخرج. من ليدز وجامعتها العريقة سيتابع الشاب مسيرته بعد حصوله على منحة من جامعة مانشستر، لينال من هناك شهادة الماجستير في تخصص الإخراج التلفزيوني عام 1999.

    الطابور الطويل
    عمل حسين بعدها مُخرجاً مساعداً في تلفزيون «غرانادا» بمانشستر، وبصفة مخرج منّفذ لبرامج «سوب أوبرا»، لا سيما المسلسل الشهير «كورنيشن ستريت». العمل الذي بدأ منذ ستينيات القرن الفائت ولا زال مستمراً حتى الآن، زاد من خبرته العملية، وحقق له حضوراً لافتاً في الوسط الفني البريطاني، لكنه عام 2002 سيقرر العودة إلى دمشق باحثاً عن فرصته الأولى: «الطابور في مؤسسة السينما كان طويلاً وقتها، والمخرجون القادمون من المدارس السوفياتية كانوا (يا دوب) يجدون موطئ قدم لهم في فيلم أو فيلمين ينتجهما القطاع العام سنوياً، ثم إن الشروط المادية والمعنوية للعمل في السينما السورية كان دون المأمول، ولهذا اتجهتُ نحو التلفزيون دون تأخّر».
    لا يخفي حسين إعجابه بسينما المخرج الإنكليزي آلان باركر بيد أنه سيذهب في الدراما التلفزيونية نحو جدلية بصرية من نوع آخر، محققاً العديد من الأعمال التي شكّلت تياراً فنياً جريئاً على مستوى الطرح والتفكير بالكادر التلفزيوني، مطوّراً من فهم سيكولوجية الصورة ووظيفتها الاجتماعية لدى الجمهور. هكذا سيحقق الرجل تباعاً مئات الساعات الدرامية، فمن عمله «ليل ورجال» الذي توجه به لنقد ظاهرة الشعوذة والسحر في المجتمعات العربية، عرف حسين أن معركته طويلة مع أصحاب العمائم ورجال الدين، لينتقل بعدها إلى تحقيق مسلسله «قاع المدينة» ضارباً ناقوس الخطر بقوة نحو مدن العشوائيات وأحزمة الفقر حول المدن السورية الكبرى، ليحقق عام 2010 عمله المتميز «وراء الشمس» عن ذوي الاحتياجات الخاصة والمصابين بمتلازمة داون، وصولاً إلى أعماله: «الواهمون» و «دليلة والزيبق» و «زمن الصمت» و «حائرات»..الخ.

    الدراما لا تقدّم حلولاً
    أعمال كثيرة أنجزها هذا الفنان، ليصل عمله «بانتظار الياسمين» في تشرين الثاني الماضي إلى المرحلة النهائية من جوائز «إيمي أوورد» الأميركية، منافساً على أوسكار التلفزة الدولية إلى جانب ثلاثة أعمال من ألمانيا وكندا والأرجنتين: «وصولي إلى تصفيات الإيمي جاء في زمن القحط الإبداعي في منطقتنا عامة، وهي دون أدنى شك بارقة أمل أن تتمكن من الوصول إلى العالمية بعمل محليّ، فنحن نعيش حالة من الجدب الفكري بكل مستوياتها أدبياً وفنياً وفكرياً، مثلاً.. انظر، أين الأبحاث الاجتماعية التي تخوض في مشكلاتنا؟ الدراما لا يمكن أن تقدم حلولاً، الحلول يقدمها علماء الاجتماع، الدراما تعرض للواقع وبعضها يسيء للمجتمع، وبعضها الآخر موجّه ومسيء لهويتنا وشخصيتنا كعرب وكسوريين، الدراما لا يمكن لها أن تتطور بمعزل عن علم الاجتماع وعلم نفس المجتمع وعن بقية الفنون والآداب».
    الصناعة التلفزيونية في مستواها الجاد – لا مستواها المستنقعي الذي نعيشه اليوم ويرقى إلى مستوى السرطان – يوضح المخرج حسين: «بعض الأعمال الدرامية اليوم تعمل على تخريب العقل العربي، والتجارب الجادة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، وهي غالباً أعمال تحمل قيمة تنويرية فكرية ضمن حدوتة. ظاهرة (المخرجون الصنايعية) سطوا على المهنة بدعم من شركات القطاع العام والخاص معاً، التوصيات والتزكيات من بعض أصحاب القرار جعلت من الأميين نجوماً في الإخراج، وهذا كله يستمر اليوم، وحتى ما قبل الحرب الظالمة التي تتعرض لها بلادنا، كان هناك عمل على تلميع هؤلاء ودفعهم لانتحال صفة (مخرج) أضف إلى أن هناك من يعمل داخل المؤسسات لتنفيذ أجندات للخارج، ولا من مساءلة، الرقابة غائبة، وأعمال البيئة الشامية صارت ماركة وطبقاً دائماً على موائد رمضان، وتبث كل ما هو رجعي وظلامي ومتخلف في عقول الناشئة، ومن يرد الصاع؟ لا أحد».

    نرجسيات مزمنة
    لقد خسرنا فرصة ذهبية كانت فيها الدراما السورية أهم وأخطر منبر إعلامي في العالم العربي، يقول المخرج الغاضب عاتباً: «لم يحتفِ بي أحد مع أننا رفعنا علم سوريا عالياً في أكبر محفل لجوائز التلفزة على مستوى الكوكب. أستثني هنا ما لاقيته من لفتة كريمة من رئيسة مجلس الشعب السوري السيدة هدية عباس، التي أخطرت لي ودعتني إلى مكتبها قبل السفر إلى نيويورك، وسألتني بكل احترام عن أي مساعدة أو تسهيلات يمكن أن تقدمها لي للمشاركة في المسابقة الدولية».
    مع أن «بانتظار الياسمين» إنتاج خاص لعدنان حمزة الذي بذل جهداً مضاعفاً للتقدم إلى المسابقة، ودفع الكثير من الرسوم للدخول، يشير حسين متابعاً: «إلا أنه حتى اللحظة، لم أتلق – لا أنا ولا كادر العمل من فنانين وفنيين – أي إشارة من الإعلام الحكومي، تشجيعاً على نيل عمل سوري ذهبية عالمية من بين واحد وعشرين ألف عمل نافس من كل أرجاء العالم. هذا كله يعود برأيي إلى نرجسيات مزمنة، وعدم الشعور بالمسؤولية الملقاة على عاتق هؤلاء، ولهذا جعلني «بانتظار الياسمين» أنتظر الآن عامين من دون عمل، والسرطان ما يزال ينهش من ضحية كان اسمها الدراما السورية».

    666

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.