العودة إلى الأندلس

تاريخ النشر: 01/01/14 | 22:37

في اليوم الثاني من كانون الثاني (سنة 1492) كانت نهاية الحكم العربي في الأندلس، وذلك بسقوط غرناطة الفاجع، واستسلام ملكها أبي عبد الله محمد الثاني عشر الذي كان يبكي في خروجه، ولأمه معه قصة مؤثرة.

في سنة 1992 كتبت هذه المقالة أدناه أهيب بها مدارسنا ومؤسساتنا للاحتفاء بذكرى مرور خمسمائة سنة على الأندلس، فاستجاب القليل الأقل لدعوتي، وبقي في خاطري أن يحتفي طلابنا بين الفينة والأخرى بعام الأندلس، فتاريخ العرب فيها يجب ألا ينسى.

هأنذا أعيد نشر المقال بشيء من التصرف، وكنت نشرته في كتابي "حديث ذو شجون". الناصرة: مطبعة النهضة- 1994، ص 160- 164.

………………………………………………………………………….

عام الأندلس

· خمسة قرون، هي في عمر الزمان حقبة قصيرة… عدة أجيال… ومع ذلك ظلت هي في وجداننا مجداً ووجداً وأدباً وحبّاً وموشّحاً وفنّاً وفلسفة وفكرًا… وظلّت أبيات الشاعر ابن خفاجة تردد صداها:

يا أهل أندلس لله درّكم

ماء وظلّ وأنهار وأشجــــار

ما جنّة الأرض إلا في بلادكم

ولو تخيّرت هذي كنت أختار

نهضة جبّارة كانت: في الأدب والتاريخ والفلسفة والرحلات والصوفية والنحو… أسماء وأسماء لمعت، ابن طُفَـيل وابن رشد وابن عربي وابن الخطيب والقالي وابن هانىء وابن زيدون… واختلاسه نظر في كتاب (نفْح الطِّيب) للمَـقّري و (بُغية الملتَمس) للضّبّي و (المقتبَس) لابن حيّان و (الإحاطة في أخبار غرناطة) للسان الدين بن الخطيب كافية لأن يروعك هذا التاريخ، وتروعك هذه العظمة.

فلنعلن بين الفينة والأخرى عن (عام الأندلس) استيحاء وذكرى، حتى لو استجدّت أية أحداث وأحداث، ونحن أحرى بهذا الإعلان من سوانا.

وإذا كانوا في بلادنا يحتفلون بذكرى ابن جبيرول وموسى بن ميمون وموسى بن نحمان وأبي الفضل بن حسداي وصموئيل بن نغريلة وابنه يوسف… فإنهم ينسون أين عاش هؤلاء؟ وفي أي بلاط؟ ينسون مصدر العروض والنحو وتوجهات مختلفة في الفكر الفلسفي…..

وإذا كان الأسبان يحافظون على تراثنا برموش العين، فما أحرانا أن نعتبر لا من منطلق التباكي على الأندلس لاسترجاعها، وإنما من منطلق الانتماء والاعتزاز بالعطاء العربي فيها.

سعدت -شخصيّاً- سنة 1987 أن أتعرف وزوجي على طليطلة وآثار قرطبة بجامعها الكبير، واشبيلية بقصرها ومئذنها وغرناطة بحمرائها والبـيازين فيها… كنت أحسّ أن الأرض تنطق العربية، حتى أنني رددت هناك أغنية مكاوي (الأرض بتتكلم عربي)، فأنا لست غريباً عن هذه الأرض، كنت أطالع الأسماء فأجدها محرفة عن العربية، وأطالع الوجوه فأكاد أصدق أنها تمُتّ لي بوشائج القربى، فكتبت قصيدة طويلة بعنوان: (أندلسيات) بدأتها معارضاً لموشح لسان الدين:

جادني الدمع إذا الدمع شجا يا زمان المجد بالأندلس

لم يكن روضك إلا أرَجــــا يعربيّاً عابـــقاً في النفس

(من شعرائنا الذين كتبوا أيضاً عن هذه الربوع عمر أبو ريشة ونزار قباني وسميح القاسم و د. فهد أبو خضرة وحنا أبو حنا).

فيا أيها المهتمون بتاريخكم من معلمين ورؤساء سلطات محلية وأدباء ورجال صحافة:

خصصوا عامًا وسموه- (عام الأندلس) واستضيفوا محاضرين مختصين في كل ميدان له علاقة ببلادنا السابقة. ولنتناقل تسجيلات حية من وعن هذه البلاد وتاريخها وفنّها.

فإذا انتمى اليهود إلى رجالاتهم هناك، فما أحرانا أن نقف وقفات إكبار لتاريخنا واعتزاز، وأن نقرأ دائماً ما تيسّر من عذب الشعر الأندلسي وسلاسل نثره، وأن نتعرف بعمق على ابن عربي وابن رشد وابن باجة…

واقرأوا معي في الختام مقاطع من مرثية أبي البقاء الرُّنْدي أو رائعته:

لكل شيء إذا ما تم نقصان

فلا يغرّ بطيب العيش إنسان

………………………….

………………………

إلى أن يقول:

فاسأل بلنسية ما شأن مرسية

وأين شاطبة بل أيـــــن حيّان؟

وأين قرطبة دار العلوم فكم

من عالم قد سما فيها له شـان

وأين حمص وما تحويه من نُزَه

ونهرها العذب فيّاض وملآن؟

قواعد كم أركان البلاد فما

عسى البقاء إذا لم تبــق أركان

وقد صدق ابن الرندي في قوله: "لمثل هذا يذوب القلب من كمد"،

ولكني أقول اليوم:

لمثل هذا، فلنحفظ الذكرى!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة