حديث في اللغة:الإشتقاق من غير المصدر

تاريخ النشر: 15/08/16 | 7:59

رأى البصريون أن الاشتقاق يكون من المصدر، لكنا نجد اشتقاقات أخرى من غير المصادر- وذلك فيما يلي:

*اشتقاق من الأعداد: فنقول ثنّاه وثلّثه، ذوّت، وسبّع- أي غسله سبع مرات.
*من أسماء الأزمنة: فقالت العرب أعصَر، وأخرَف، وصاف (صيّف) وأربع، ومن جديد اللغة رمضن أو ترمضن، عصرن (تبع العصر).
*الحروف: فقالوا سوّف (بمعنى ماطل)، وعنعن (نقل الرواية عن فلان عن فلان…).
*من أسماء الذوات: فقالوا استأسد وتنمّر، استنوق، واستتيس وبنّج وبوّب، وتجورب، وتتوج، تخشَّب، استحجر، تبغـّل…
وهناك اشتقاق من (مسكين) تمسكن، و(تمنطق) إذا شد وسطه بالمنطقة، وتمندل …
*من أسماء البلدان والطوائف والجماعات: أتْهم وأنْجد، تنصّر وفي اللغة المعاصرة تأسرل، وتأمرك، تبلشف وتبغدد.
* هناك اشتقاق مما نُحت من كلمتين وأكثر: بسمل، حوقل، هيلل، دمعز، طلبق، فذْلَك… وفيما اقترحتُ من نحت، ومنه (حتّـن) ترجمة للكلمة العبرية (עדכן) من لفظتي “حتى” + “الآن”، وقد أرادها آخرون (حتلن) الثقيلة صوتيًا.

من هنا أجيب الصديق “عويف القوافي” الذي سألني عن كلمة (تعزيم) المشتقة من شخص اسمه (عازم)، فكتب لي:
” لدي سؤال أود طرحه عليك بالنسبة للفظة “تعزيم” والتي تعني البيع الآجل- وهي كلمة منسوبة لصاحب فكرة البيع الآجل، واسمه عزمي- وهو رجل من منطقتنا جنوب الأردن، فهل تعتبر هذه المفردة تطورًا في الدلالة على لفظة “تعزيم”- التي تعني قديما الرُّقى لطرد الأرواح الشريرة؟.

إجابتي هي:
تجيز العربية أن نشتق من أي كل اسم يتيح ذلك صوتًا ولفظًا وذوقًا، و”تعزيم” هنا كلمة ترِد بمعنى جديد لا علاقة له بالمعاني الواردة في المعاجم، فكما يصح لنا أن نقول “تعنتر” و”دروش”، فلا أرى مانعًا أن نقول “عزّم” أو “تنزر”- نسبة إلى نزار ….
وليسمح لي قارئي إذا ذكرت أنني ابتدعت” تأدنس” في مقالة لي عن ناجي ظاهر (الرؤيا والإشعاع- 1984، ص 110).

ومن نماذج الأدب القديم ما قاله العجّاج:
ربيته حتى إذا تمعْـددا … وآضَ نهدًا كالحصان أجردا
قال ابن جِنّي في شرح التصريف: “تمعدد” من لفظ (مَعدّ) بن عدنان وإنما كان منه، لأن معنى تمعدد: تكلم بكلام معدٍّ، أي: كبر وخطب. هكذا قال أبو علي.
ومنه قول عمر: “اخشوشنوا وتمعددوا”. قال أحمد بن يحي: “تمعددوا”، أي: كونوا على خلق مَعدّ.
انظر أيضًا “الخصائص” لابن جني (1/159-160).

اشتق العرب كثيراً من أسماء الأعيان، والمجمع يجيز هذا الاشتقاق للضرورة في لغة العلوم، ثم رأى التوسع في هذه الإجازة بجعل الاشتقاق من أسماء الأعيان جائزاً من غير تقييد بالضرورة. واشتقوا من أسماء الأعيان المعرَّبة كالدرهم والفهرس، فقالوا: دَرْهَمَ وفَهْرَسَ، ويقال من الكهرباء والبلّور: كَهْرَبَ وبَلْوَرَ. كما وضع هذا المجمع قواعد الاشتقاق من الاسم الجامد العربي والاسم الجامد المعرَّب.
وقرر كذلك أنه تصاغ مَفْعَلة قياساً من أسماء الأعيان الثلاثية الأصول للمكان الذي تكثر فيه هذه الأعيان، سواء أكانت من الحيوان أم من النبات أم من الجماد، فيقال: مَبْقَرة ومَلْبَنة ومأسدة.

ثم إن مثل هذه الاشتقاقات ترد كثيرًا في الكلمات الدخيلة، وبعضها نستخدمه في لغتنا المعاصرة: تلفز، تلفن، أرشف، منتج، تبرجز، تفلسف، تفرنج، تأكسد، فكسل (أو فكسس)، موسق. وهذه الأفعال المشتقة جميعها تصاغ منها المصادر وأسماء أخرى كاسم الفاعل واسم المفعول.

سأصحبكم في جولة مع التراث ومع الكلمات الأعجمية:

أهدي إلى علي – كرّم الله وجهه- في يوم النَّوْروز طعام الخَبِيص فقال:
“نَـوْرزوا لنا كل يوم”! وفي رواية أخرى: “نَوْرِزونا كل يوم”!

وقال العجّاج في أرجوزة له:
“كالحَبَشِيِّ الْتفّ أو تسبَّجا”
(تسبَّجَ) هو تفعَّل من (السَّبيج) أي الْتف به، والسبيج معرب قولهم شَبيّ- أي ثوب أسود.

وقال الآخر:
“فكرنَـبوا ودولَـبوا”!.
أي قصدوا كرنب ودولاب، وهما مَدِينتان عجميَّتان.

وقال الأعشى: “حتى مات وهو مُحَرْزق”
وهو معرّب (هرزوقا) أي مخنوق، وأصله نبطي.
لكن الأعشى استخدم هنا- في كلمة – (محرزق) ما قد نهى عنه، حيث قال
في قصيدة أخرى له مؤكدًا على عربيته وعدم لحنه:

يقولون لي “شنبِذ”، ولستُ “مشنبذا” … طوالَ الليالي ما أقام ثَبِير
ولا قائلا “زودا” ليعجل صاحبي … و”بستان” في قولي علي كبير
ولا تاركا لحني لأتبع لحنهم … ولو دار صرفُ الدهر حيث يدور

فبنى من “شنبذ” مشنبذا.
وهو من قول الفرس: “شون بوذ” أي كيف – يعنون الاستفهام
وزود: عجّل.
وبستان: خذ.

فاروق مواسي

faroqmwase

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة