لا لمسرح القناع!!

تاريخ النشر: 29/04/11 | 1:29

سقى الله تلك الأيّامَ التي كان الناسُ فيها على سجيّتهم لا يعرفون الأقنعةَ ولا الملابسَ التنكرية!

حينها كانوا يضحكون أو يبكون، يصادقون أو يعادون، يصحُون أو ينامون – على طبيعتهم!

آنذاك، لم يعرفِ الناسُ الملابسَ التنكريّة ولا عرفوا الأقنعةَ التي تُخفي الوجوه!

واليوم، صرنا – كما يقولون في لهجاتنا المحكيّة – “نبحث بفتيلة” عن وجهٍ حقيقيّ بلا قناع وبلا مساحيق!

أصبحنا نكدّ ونحن ننقّبُ ونحفرُ علنا نكتشفُ معدنَ الإنسان وجوهرَه الحقيقيّ!

أيّ مسرحٍ جديد فرض نفسَه علينا؟!

في هذا المسرح، الممثلون والمخرجون والمنتجون والمتفرجون والمشاهدون – جميعهم – يلبسون ملابسَ تنكريّة ويعتمرون أقنعةً غريبة، ويركّبون نظّاراتٍ تحجب بريق العيون!

يتحدّثُ الناس عن الحريّة وهم في أعماقهم عبيدٌ للشهوات والأطماع!

ينادون بالمساواة للجميع وهم يمارسون القمعَ والاستبداد!

يتبجّحون بالتنوّر والتحرّر وهم أسرى الأفكار النمطيّة البائدة!

يجهرون بالإيمان وهم يُخفُون نزعاتِ الجاهليّة!

يتلون آياتِ الذكر الحكيم ويحرمون النساءَ حقّهن في الميراث!

يتظاهرون بالجود وهم لا يُعطون النعجة إلا ليأخذوا الثورَ والجمل!!

متى تسودُ روحُ الحقّ والعدل والصدق والاستقامة بين الناس؟!

متّى يحبّ الإنسانُ أخاه الإنسانَ كما يحبّ نفسَه؟!

متّى يواجه الإنسانُ الشرّ والمنكرَ بعزيمةٍ لا تعرفُ الخنوعَ ولا التراجع؟!

أما قال الرسولُ الكريمُ محمّد (ص): الساكتُ عن الحقّ شيطانٌ أخرس؟!

لتتحرّرِ النفوسُ من نرجسيّتِها وأنويّتها، ولتنفتح على البذل والإيثار!

لنتمثّل بقول رهينِ المحبسَين أبي العلاء المعرّي الذي لا يحبّ الانفراد وحده في جنّة النعيم، ويتمنّى أن يعم المطر/الخير جميع البلدان:

ولو أنّي حُبيتُ الخُلدَ فردًا               لما أحببتُ في الخلدِ انفرادا

فلا هطلتْ عليّ ولا بأرضي …..     سحائبُ ليس تنتظمُ البِلادا

لنقتدِِ بما نصّت عليه آياتُ الكتاب المبين؛ فلا سخرية ولا تنابز بالألقاب، وعلينا أن لا نسيء الظنّ بالآخرين، وأن نتجنّب النميمةَ والغيبةَ والتجسس، وأن الناسَ مختلفون وأفضلُهم عند الله أتقاهم:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” – سورة الحجرات

ليتفاخرِ الناسُ بأعمالهم وأخلاقهم لا بأنسابهم وأموالهم!

ولنتأكد أنَّ ما نقومُ به من عملٍ صالح خيّر، ومن التزامٍ بالقيم الحميدة النبيلة، لن يذهبَ سدى، بل سيعمُّ وينتشر، وسيسجّلُ في ميزان حسناتنا.

قال تعالى:

وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ” – سورة التوبة

‫2 تعليقات

  1. مشكور د. محمود ابوفنة على هذه اللفتة المهمة لما وصل اليه مجتمعنا العربي في الداخل والخارج اليوم…
    صحيح بأن الحياة عبارة عن منصة مسرح ونحن بنو البشر الممثلون. كل منا له دوره في الحياة ولكن ما هو مضمون هذا الدور؟! اهو ايجابي ام سلبي؟! قد يكون ايجابيا ولكن لا يخلو من بعض التجميلات ،الروتيشات والمساحيق، الشكلية المقنعة التي تفوح منها رواح سلبية كريهة وتترك اثارا جارحة ومكروهة لا تليق بنا كبشر….
    اشياء محبطة كثيرة حيث ترى أناس يحقدون وترى الفرحة والشماته فى عيونهم عند حدوث اى مصيبة وعلى النقيض الاخر فى حالة الفرح ترى البؤس والحزن على وجوههم وتراهم اخر المهنئين لو اضطروا لذلك وترى تهنئتهم من تحت الضرس . .!!
    ناس لا ترضي بما قسمه الله لها، تطمع ودائمة النظر فيما فى يد الاخرين سواء مال، حب سلطة اى شيء…. وللاسف هذه الناس قريبة منا تتعايش معنا وتدخل بيوتنا ويشاركونا حياتنا فى اشياء كثيرة ومن الصعب اكتشافهم الا بالتعامل معهم .
    حتى المشاعر اصبحت بلا معنى، سطحية، رخيصة، انانية، مدمرة بلا رحمة لمصالح خاصة يلهث وراءها الإنسان دائسا ومستهترا باي نبضات من القيم والأخلاقيات…فهل يا ترى بهذه التصرفات الأنانية الجاحدة بقي الإنسان انساناً؟!
    قد يكون من تعرفه يغرق في مأساة او ضائقة ما ويستصرخ طالبا العون والكلمة الحسنة المشجعة لتنجده من قاع الهاوية ولكن هيهات من يسمع!! كأنه ليس لهم متسع من الوقت ولو لدقائق من برنامج حياتنا. كأن الإنسان في صراع مع الزمن والسؤال الذي يطرح بماذا؟!! بأشياء تافهة فارغة، خالية من اي معنى، او قد تكون حب الذات والمادة والمظاهر اهم من المواقف الانسانية المشرفة….فأين ذلك الإنسان الشهم او الجدع او ابن البلد الأصيل …؟! للأسف الشديد كلها اندثرت وانقرضت وأصبحت في عالم كان…عالم من الماضي، أيام الأباء وألأجداد..أيام كان قلب الأخ على أخيه…وقلب الإبن على ابيه…وقلب الجار على جاره….وقلب انسان انساني على انسان….!!! فقدنا الإيمان والعقيدة وتعاليمها… لم نعد نفهم معانيها ….ونتغاضى عن تطبيقها بحجج واهنة وغير مقنعة …فهل يا ترى تكون يوما صحوة ما لعالم الإنسانية بكل مكونتها واسسها ومركباتها أم ان الإنهيار سيستمر، ورويدا رويدا نقع في الهاوية، عالم ظالم ومظلم، عالم مجرد من الأحاسيس والمثل الأخلاقية والتربوية والدينية…يتحكم به قانون الغاب…فعندها لن يبقى الإنسان انسانا!!!

  2. الأخت الكريمة ابنة يعرب القرعاوية
    جزيل الشكر لتعقيبك العميق والشامل الذي يدلّ على شخصيّة واعية
    مثقفة تمتلك منظومة قيم خيّرة سامية!
    مع ذلك، أتوجّه أوّلا لنفسي، ثمّ لكِ، وللقراء الكرام عامّة:
    صحيح، هناك الكثير من السلبيات في سلوك الناس وتصرفاتهم، ولكن
    لا زال الخير موجود ، ولن يفنى!
    نكتب عن السلبيات لنتجنّبها، ولندعم قيم الخير والتسامح والمحبّةّ
    بوركتِ وبوركَ يراعُك وضميرُك الحيّ.
    مودّتي وتقديري
    د. محمود أبو فنه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة