قراءة نقدية في ديوان فوضى الذات لسوسن غطاس

تاريخ النشر: 02/05/13 | 0:38

للأستاذ طلال سالم الحديثي ناقد وكاتب عراقي- ألّف ونشر أكثر من ثلاثين كتابا ستة كتب منها في النقد نظريةً وتطبيقا

مقدمة : الفوضى : إضطراب وتشتت وتجزؤ ، والذات : الصلب والجوهر ، ولكل شيْ ذات ، ومن دون الذات لايقوم للشيْ كيان ، فالذات الأرض والأشياء جذور فيها ، ولا غنى لها عنها ،ودعيت هذه الذات بالذات المطلقة أو مطلق الذات إذ لا سبيل الى حصر ما لا يحصر ، هكذا يقول المتصوفة .

وفي عنوان هذه المجموعة من القصائد لشاعرتها سوسن غطاس مفارقة يحملها عنوانها : ( فوضى الذات ) مقابلة بين التجزؤ والإتحاد . وتعد المفارقة التصويرية تكتيكا فنيا يستخدمه الشاعر المعاصر لإبراز التناقض بين وضعين أو موقفين بينهما نوع من التناقض . والتناقض ، يقول د. علي عشري فايد ( مجلة الثقافة _ طرابلس ع54 _ 1975 ) فكرة تقوم على إستنكار الإختلاف والتفاوت بين أوضاع من شأنها الإتفاق والتماثل ، أو بتعبير مقابل تقوم على إفتراض ضرورة الإتفاق فيما واقعه الإختلاف ، والشعر المعاصر يستغل هذه العملية في إدانة بعض الأوضاع الجائرة أو التنديد ببعض المواقف المتخاذلة ، أو ما أشبه ذلك من مضامين تقوم المفارقة بدور فعال في التعبير عنها .

ثانياً :

القصيدة الأكثر دلالة على التجزؤ هي القصيدة التي تقول فيها :

أنصاف العقيق لا تؤول

حتى الى نصف الكمال

والعقبق خرز أحمر تتخذ منه فصوص الخواتيم، واحدته عقيقة ، وأنصافه لاتؤول حتى الى نصف الكمال لأنه لا يستعمل مجزءاً فلذلك لا يؤول الى نصف الكمال .

والتساؤل : كيف يبدو نصف القمر في ليلة حالكة السواد ؟ وتبقى الإجابة مبهمة وفيها ترتسم روح الشعر ، لأن الشعر سؤال ، والسؤال تأمل ، والشاعر حامل مجمرة الأسئلة ، وتبقى قصائده مسامات تملأ الجسد لا تراها العين ، ومن خلالها تنبعث باحثة عن الأفق الذي يحتويها ، فالسؤال يجر الى سؤال ، واليقين كقطعة الإسفنج تنخفض بضغطة على جانب ويرتفع بدونها من جانب آخر ، وبر اليقين كشاطيْ جزيرة السندباد يقر لساعة تصفو قيها النفس ثم يستوحشها الملل والسكون فتشتهي الى المغامرة وركوب الأهوال ، وهكذا يكون الشاعر دوماً في دوامة اللإستقرار .. لا سكون يريح النفس ولا جواب شافٍ لسؤال .

ويستمر التجزؤ فتقول الشاعرة :

نصف الحب

يؤول الى نصفه الأقرب الى نقطة الصفر،

تفرغ الأبار من مخزونها

في نصف الفراغ

ونصف الكلام .

القسم الثالث والأخير

***************

يحاول الشاعر الحاذق أن ينفذ الى حقائق الأشياء متجاوزاً مظاهرها الخارجية،بل نافذاً _ من خلالها _ الى تلك الحقائق . فإذا كان عميقاً في رؤيته الفنية فإنه يستطيع أن يقفنا على قيم إنسانية ثرة ، والخيال والتأمل الصافي أعظم أدواته للوصول الى كشوفاته ، وانطلاقه الكامل من أسر الواقع الخارجي للألتحام مع الواقع الداخلي ، وفي هذه الكشوفات يتعانق المرئي المحسوس مع المعنوي الأثيري خلفه ، والمألوف مع الغريب المجهول . هذا ما يقوله ناقد .

تقول الشاعرة سوسن :

العصافير لا تموت في الجليل

تتناسخ كل غروب على حافة الرحيل

هذه الصورة الظاهرة بالكلمات تعبير عن عالم خفي يحمل رؤية فنية تفيض بمعنى البراءة التي تحملها العصافير مع الإنطلاق نحو الحرية في فضاء غير محدود ، في رحلة يومية ، ولكنها رحلتها الدائمة الى عش السكينة والطمأنينة . ومن هذا المعنى تربط الشاعرة لاشعورياً بين رحلة العصافير ورحلة المواطن المتسربل بطموحه نحو الحرية وكسر القيود .

وتقول الشاعرة :

للقدس نكهة لجوء مؤجل

وإحتلال متخفٍ بأسوار

وهذه صورة واقع معاش لايخص القدس وحدها ، بل هو حال فلسطين بأسرها .. بين لجوء مؤجل واحتلال متخف بأسوار مصطنعة يظنها تحميه من غضب آتٍ .

وفي قصيدة ( مجرة القمر ) يتمازج البوح مع قمر مظلم بجوهره مشع بغيره ، فكأنه الوطن الذي يشع بأهله وهو في حقيقته تراب لكنه يغدو مظلة بل يغدو نوراً بناسه .

هؤلاء الناس الذين يرسمون الصورة الحقيقية له .. الصورة المتولدة من مهمته لا من كينونته ، وهذا إستبطان من الشاعرة نجحت في إبرازه من خلال قصيدتها فحققت قدرة على التصوير ورسم الظلال .

وهذه مهمة النص الشعري ذي الأعماق البعيدة . وهي تستعمل الصورة الشعرية كأداة لتعميق المعاني وتكثيف الأحاسيس .

ولا أزعم أن تجربة هذه الشاعرة مكتملة ولكنها ليست ضحلة وأحاسيسها وإنفعالاتها ذات نسق موسيقي خفي ، ولغتها لها طابع نثري يمكن أن تثريها بمزيد من العناية والإطلاع . لكنها شاعرة ذات تجربة تتوافر فيها عناصر الصدق والجمالية .

وأخنم بالقول إن هذه المقالة لا يمكن أن تقدم الصورة الحقيقية للشاعرة ، وأملي أن تتاح لي فرصة أخرى لقراءة ما تبقى من قصائدها .

وكل آتٍ قريب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة