ماذا بعد تتويج السلطان؟

تاريخ النشر: 19/08/14 | 19:01

تابع أردوغان، كما كان متوقعاً، سلسلة نجاحاته الباهرة وخاض الانتخاب التاسع له ونجح بتفوق. ثلاثة انتخابات نيابية وثلاثة محلية واستفتاءان وانتخابات رئاسة الجمهورية، كلها خاضها السياسي الجدلي المخضرم بقوة وحنكة وكلها أضافها إلى تاريخه الحافل. غير أن هذه الأخيرة كانت الأبرز والأكثر أهمية وخلودا في سجله الذهبي. على أن التحديات أمام هذا الزعيم الطموح لن تقف عند هذا الحد، ولعل ما هو قادم عليه بعد الانتخابات يعد بمزيد من المفاجآت من العيار الثقيل.
فمنذ ما قبل الانتخابات الرئاسية كانت عين أردوغان على يوم الحادي عشر من آب لا على العاشر منه. فعلى أهمية استحقاق الانتخابات التاريخية التي جاءت بأردوغان رئيساً لجمهورية تركيا الجديدة منتخباً من الشعب، ظلت استحقاقات ما بعد الانتخابات أكثر أهمية ومفصلية «للرئيس الاستثنائي» وبرنامجه المنطوي على كثير من المفاجآت والطموحات غير المحدودة.
الاستحقاق الأول هو وضع حزب العدالة والتنمية ذاته. فبعد انتخابه رئيسا، يجب على أردوغان وفق الدستور أن يتخلى عن أي منصب حزبي أو وظيفي آخر؛ وبالتالي، يجب عليه أن يسند رئاسة الحزب إلى شخصية أخرى. إن حزب «العدالة والتنمية» بالنسبة لأردوغان هو وليده وسنده ومركبته القوية في مسيرته الطويلة الحافلة. فلا يمكنه أن يتخلى عنه أبداً، تماماً مثلما لا يستطيع الحزب أن يتخلى عن أردوغان أو عن طيفه ونفوذه فيه. يخسر الاثنان كثيراً من انفصالهما: الحزب يتقهقر شعبياً وتنظيمياً ويتعرض للصراعات الداخلية إلى حد الانقسام، وأردوغان يتحوّل إلى قيمة تاريخية ومعنوية كبيرة ولكن من دون أداة فاعلة يقود بواسطتها أمته وما تبقى من أحلامه.
هنا تكمن أهمية الحزب ورئاسته بالنسبة لأردوغان، خاصة مع تكوّن تيارين ـ وإن غير علنيين – داخله: واحد يضم الجيل القديم وهم رفاق أردوغان المؤسسون الأوائل، وهؤلاء بدورهم يتمتعون بثقل معين بذاتهم ويشكل كل واحد منهم مركز استقطاب مصغّراً، باستثناء الرئيس المنتهية ولايته عبد الله غول الذي يشكل مركز استقطاب كبيرا ويحتفظ لنفسه بقيمة عالية وبشعبية داخل حزبه تقلق أردوغان نوعاً ما؛ وتيار ثان يضم الجيل الجديد والمتوسط من الأعضاء الذين أخذوا ينافسون القدامى وينتقدونهم علانية مستندين بذلك إلى دعم من أردوغان شخصياً رغبة منه بتجديد دماء الحزب، وإلى دعم من نظام الحزب نفسه الذي يمنع العضو الحزبي من تولي المقعد النيابي لأكثر من ثلاث دورات متتالية يتمُّها حالياً معظم الجيل القديم، بحيث ستشهد انتخابات 2015 المقبلة غياب الأعمدة الثقيلة في الحزب عن مجلس الأمة وصعود الوجوه الشابة.
حددت اللجنة المركزية لـ«حزب العدالة والتنمية» يوم 27 من الشهر الحالي موعداً لانتخاب رئيس جديد للحزب، وهو الذي سوف يكلّف بتشكيل حكومة جديدة ويترأسها حتى الانتخابات النيابية المقبلة في حزيران 2015. وهذا الموعد يأتي قبل يوم واحد فقط من موعد انتقال أردوغان رسمياً إلى قصر تشانكايا في 28 من هذا الشهر يوم التسلم والتسليم وقسَم اليمين. برزت أقاويل تلمح إلى تعمد أردوغان اختيار هذا اليوم حتى يقطع الطريق على الرئيس غول بالترشح لمنصب رئيس الحزب، إذ لا يحق له – كونه سيكون رئيساً في ذلك التاريخ – الترشح لأي منصب حزبي. وكان غول قد فاجأ الجميع (وأعتقد أنه فاجأ أردوغان نفسه) عندما أعلن منذ يومين أن موقعه الطبيعي بعد انتهاء ولايته هو حضن حزبه الذي سيعود إليه، لكنه كعادته لم يفصح عن طبيعة هذه العودة وعن المسؤولية التي يرغب بالاضطلاع بها، علماً بأن الرئيس غول كان قد التزم الصمت لأشهر عدة حول خططه المستقبلية مردداً في أكثر من مناسبة أنه بعد أداء مهمته رئيساً سيأخذ وقتاً من الراحة والتفكير والتأمل لتحديد مستقبله السياسي.
لكن بكل حال، وما دام الحزب قد اتخذ قراراً بأن رئيس الحزب سيكون هو نفسه رئيس الحكومة، وبما أن الدستور يوجب بأن يكون رئيس الحكومة من بين أعضاء مجلس النواب حكماً، وبما أن الرئيس غول ليس عضواً في البرلمان، فإنه من شبه المحتّم أن غول لن يتولى رئاسة الحزب الآن.
وهكذا، وما لم يقدم غول على تقديم استقالته قبل تاريخ 27 آب وترشحه لرئاسة الحزب (وهذا أمر مستبعد إذ يظهر عندها كمن يكسر جرة الرفقة والدرب الطويل مع أردوغان ويغامر بشق الحزب على نفسه وهذا ليس مما يعرف عن غول وطبعه وتبصّره)، فإن الحزب (أو بالأحرى أردوغان) أمام خيار بين أمرين: فإما أن يأتي بشخصية من الجيل القديم أحد نواب الرئيس الحاليين ويضعه تحت سيطرته الكاملة ويقود من خلاله حزبه والحكومة حتى انتخابات 2015 فتنتهي فترة الولايات النيابية الثلاث لهذا الرئيس ليتابع أردوغان المسيرة بعده بغيره؛ وإما يأتي بشخصية من الرعيل الجديد أو المتوسط (وهو غالباً داود أوغلو)، حيث تكون الفترة الفاصلة حتى العام 2015 فترة تجربة العلاقة بين الرئيسين وكيفية إدارة الحكومة والحزب والانتخابات، ليستمر داود أوغلو بعدها إذا ما نجحت العلاقة (وسار طوع إرادة أردوغان ونهجه) وفاز الحزب في الانتخابات، برئاسة الحكومة.
على أنّ في كلا الاحتمالين مخاطرة كبيرة تتلخص بضعف سيطرة الرئيس الجديد على الحزب وأعضائه، وصعوبة إقناع جماهيره والإبقاء على شعبيته الكاسحة. فرئيسٌ من الجيل القديم سيجد صعوبة بترؤس مجلس قيادة معظم أعضائه من جيله وكل يتمتع بقوة تمثيلية وثقل شعبي، بالإضافة إلى امتعاض جيل الشباب وتململهم. ورئيسٌ من الرعيل الشاب سيواجه تحديات جمّة من الحرس القديم، وسيصعب عليه قيادة حزب ضخم يقدر عدد أعضائه المنتسبين بأكثر من 9 ملايين عضو بمن فيهم النساء.
لا يملك أي حزبي اليوم قدرة قيادة حزب العدالة والتنمية بعد أردوغان بحزم وثقة وإقناع للأعضاء والمناصرين وتثبيت وحدة الحزب وتعزيز شعبيته الجماهيرية والسير به إلى انتخابات رابحة في العام 2015 سوى شخص واحد: عبد الله غول. وأردوغان يعلم هذا، ويستشعر ذلك من استطلاعات الرأي داخل حزبه، وحتى بين الشعب. ثم ان أردوغان بحاجة إلى فوز كبير في المجلس المقبل حتى يستطيع تعديل الدستور وتحويل النظام السياسي التركي إلى نظام رئاسي تام كما يرغب. وبالتالي فهو بحاجة إلى رئيس حزب قوي بوزن غول.
فالكرة إذاً في ملعب السلطان المتوّج. فهل يتابع خطوات تحييد غول واستخدام ما تبقى له من رصيد بين أعضاء حزبه ومناصريه والشعب (وهو ليس بالقليل أبداً)، والإتيان بشخصية حزبية «عادية» تقود الحزب بوهج أردوغان وظله ونفوذه فتأكل من رصيده؛ أم يبلع الموسى ويقدّم مصلحة حزبه ويأتي بغول رئيساً للحزب قبل الانتخابات النيابية المقبلة، متحملاً استقلالية غول وعدم تبعيته العمياء له وشخصيته وطريقته في إدارة الحكومة؟
لكن يبقى السؤال الأساس: ما هو موقف الرئيس غول نفسه؟ وما هو هدفه من إعلان عودته إلى الحزب بعد اتمام ولايته الرئاسية؟ وهل يقبل بترؤس حكومة في ظل رئاسة أردوغان، وهل يوافق على قيادة مرحلة انتقالية إلى حين تحويل النظام إلى رئاسي تام بحيث لا يعود هناك من مشكلة ازدواجية السلطة التنفيذية التي لا يتحملها سلطان متوج في ذروة سطوته، ولا يقبل بها رئيس سابق مخضرم ومقتدر.

بقلم باتر فخر الدين – السفير

dogan

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة